وهذا الشكل، قد نجح من خلال عملية دعاية مكثفة، تدعو"للتنظيم"ذاته، وتعطيه صبغة دينية بحتة، كأنه مطلوب لذاته، ومقصد شرعيّ أصليّ.
وتصل، من خلال هذا التوصيف"للدولة"المقدسة، إلى تقديس الأشخاص القائمين عليها. وهي خطة في غاية الذكاء والمهارة. وقد تهيأ لي قريبًا مناقشة شخصية مع أحد أتباع"الدولة"، فإذا بتغيير رهيب ساحق، قد طرأ على طريقة تناولها للأمور، ونظرتها للعامة والعلماء، وتصوراتها لقدسية"الدولة"ككيان"باقٍ"وإسباغ صفة الخلود عليه، وكانت هذه المناقشة هي ما أوردت في نفسي النموذج الهتلري، الذي جعل"الرايخ الثالث"دولة مقدسة، وجعل هتلر، تبعًا لذلك، مقدسًا لدى الأتباع.
وفي ظاهرتنا هذه، فقد استخدام"الدين"و"الشرع"لإصباغ هذه الصفة التقديسية، والتي تمثلت في أعلى درجاتها في تعبير"باقية"، وجعلت حتى مناقشة أمرها، بأي شكل من الأشكال، هرطقة غير مقبولة، وجعل مخالفيها"مرتدين"دينًا.
وهي الظاهرة التي تُعرف في عالم الفرق الإسلامية"بالحرورية".
أما عن شكل العلاقات الخارجية لهذه"الدولة"، عند أتباع هذا التيار السلفي الجهادي الجديد عامة، بما فيه أصحاب تلك الظاهرة، فإنه لم يظهر في هذا البعد أي منحى يصف من قريب أو بعيد كيف يكون هذا التعامل، إلا، مرة أخرى، نصوص للفقهاء الأُول، كالجويني وابن القيم والماورديّ.
وتقوم فكرة العلاقات الخارجية، عند أصحاب هذا التيار على مفهوم للولاء والبراء.
وهو، بالنسبة لهم، مفهوم مباشر لا التواء فيه، بل ولا تفصيل، يتلخص في آية الممتحنة"قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ? فِى إِبْرَ اهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا? لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَ اؤُا? مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَ ااوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا? بِاللَّهِ وَحْدَهُ".
الأسباب:
والبعد السببيّ في نظر هذا التيار هو بعدٌ قريب الشبه إلى التصور السببيّ الصوفيّ، أو الأشعريّ، بشكلٍ لا-شعوري.
والحق إنهم للتصور الصوفي أقرب، إذ الأشاعرة يفصلون بين السبب ونتيجته صوريًا، ولا يرفعونه من صورة الأفعال بالتمام.
بينما النظر الصوفي، وقريب منه التصور السلفي الجهاديّ الجديد، يعتمد على البعد الغيبي والمدد الإلهي بطريق مباشر، دون النظر إلى السلسلة السببية التي بنى الله سبحانه عليها الكون، وسننه في الدنيا والآخرة، وربط بها الأعمال بنتائجها، في الدنيا والآخرة.
وهي سبب طبيعي ومباشر لتصورهم عن الواقع كما سيأتي.
الواقع: