أما عن نظرة أبناء هذا التيار للواقع (تيار الجهاد السلفي وبخاصة الحروريّ) ، فهي مختلفة تمامًا عن نظرة الحركات"الإسلامية"التي ذكرنا.
والحق، أنهم لا يكادون ينظرون إلى الواقع على الإطلاق، أعنى خارج دائرتهم الضيقة.
فالواقع بالنسبة إليهم، شيء حادث، غريبٌ، يجب أن لا يكون موجودًا، بل يجب أن يكون معدومًا، يمكن بتجاهله أن يختفي.
بل بمجرد إعلان دولة الإسلام، أو خلافة أو إمارة، أو ما شئت، ستختفي بقية دول العالم، بقدّها وقديدها، ولن يكون هناك، من ثم، داع لعلاقاتٍ أو تعاملات أو تطبيقات لولاء أو براء! بل هو مجرد غزوهم في عقر دارهم، في القارة الأمريكية، وأوروبا، ثم آسيا والصين، وهم - هؤلاء الكفرة - ساكتون لا يحيرون فعلا، ولا يردّون غزوًا.
ذلك هو، في حقيقة الأمر، تقدير هذا التيار للواقع الخارجيّ.
إلا من آثر منهم التعامل بشكلٍ خفيٍّ مع"الواقع"، فأخذ مالًا، وعتادًا، ودخل بهما حلبة التيار السلفي الجهاديّ، من الباب الخلفيّ!
وقد أفرزت الأحداث الأخيرة، علي الصعيدين العراقي والشامي، عددًا من الجماعات الإسلامية التي تحمل هذا التصور، تتراوح في أعداد منتسبيها بين العشرة والعشرة آلاف مقاتل، على أكثر تقدير.
بدأت في قتال الروافض في العراق، ثم تابعت إلى الشام، ثم لحقت إحدى هذه التنظيمات، المعروفة بتنظيم"الدولة الإسلامية في العراق"، إلى الشام، وخاضوا، ولا يزالوا، معارك مع بقية الجبهات والكتائب المسلحة في الشام، على أصل أنهم"الدولة"، وأن بيعتهم هي"البيعة"، وأن أميرهم هو"الأمير"، بل أمير المؤمنين كما يسمونه.
إلا أنّ كل تلك الأحداث، والتنظيمات التي أحدثتها، والأصول التي بنيت عليها تلك التنظيمات، عليها إشكالات عديدة، منها شرعية، ومنها واقعية، أعنى في تطبيق أحكام الشرع على مناطاتها.
من ذلك مفهوم البيعة والإمامة والتمكين.
لكن، الأهم، هو ما سنتناوله في بيان صحة تطبيق تلك المفاهيم على واقعنا الحالي، كما سنبيّن لاحقًا إن شاء الله.
الإشكاليات
نعزو تلك التصورات كلها، والتي تعجّ بها ساحة العمل الإسلاميّ إلى عاملين مشتركين بينها، ثم إلى عوامل خاصة بكل جماعة.
أولهما: الإحباط الديني والنفسيّ الذي يشعره أبناء هذا الجيل من جرّاء بُعد مجتمعاتهم عن الإسلام، عقيدة وعملًا.
فالأمر بُعده نفسيّ أولًا وأخيرًا، سواء عند قادة تلك الجماعات، أو عامتهم.