فهرس الكتاب
ثم، إن هؤلاء قد زعموا أن بيعة أميرهم ليست بيعة عامة لإمامة، لكنهم راحوا يقاتلون غيرهم عليها، ويرونهم بغاة، بل مرتدين لما قرروا أنهم يرتكبون ما يرونه أنه من المكفرات لديهم! فجمعوا بين البغي في طلب البيعة لمن لم تثبت له بيعة، والتكفير والحرورية بقتل المسلمين على شبهات وفتاوى قدّروها ثم عملوا بها.
ناهيك عن ذلك التنظيم الوهمي الذي أطلقوا عليه"دولة"دون أي مقوم من مقاماتها.
وما ذكرته آنفا، أن أهل الحلّ والعقد، في محلة معينة، يمكن أن يعقدوا بيعة خاصة، لحرب أو جهاد، في تلك المحلة بذاتها، والتي لهم فيها أو على أهلها، كلامًا مسموعًا. أما من وراء ذلك، فهو تعدٍ على حدود الله، وتسوّرٍ على حقوق الآخرين، لا ترضي به شريعة ولا يقبله عرف، ولا ينطبق في واقع. وهذا هو ما حدث في بيعة البغدادي، الخاصة بالحرب، والتي أقرها له أمراء الجهاد في خراسان، بشرطها، فإذا به يحوّلها إلى بيعة عامة، دون أن يُسميها بذلك، ويستخدم اسم"الدولة"، الذي لا يصاحب إلا بيعة عامة، بل ويمتد بها إلى الشام، تأكيدًا على حقيقة ما يراه وشيعته، من إنها بيعة عامة، دون أن يسمونها بذلك لعلمهم أن لن يطير لهم بها جناح! [1]
فالإشكالية هنا، هي:
-اعتقاد أن جمع من المجاهيل على المستوى الإسلامي، وإن كانوا معروفين محليًا لأهل محلتهم، يمكن أن يكونوا أهل حلّ وعقد بالنسبة لجموع المسلمين في أي مكان آخر.
وهو ضد طبائع الناس، ومعاكس لفائدة أهل العقد ابتداءً، إذ إن قد شُرِعَ الأخذ برأيهم، لحقيقة إمكانهم السيطرة على كلّ من يطلب منهم أميرهم البيعة، لا مجرد أنهم"أهل حل وعقد"صوريًا. وهو التصور المريض الذي نشأت عنه هذه الحرب بين المسلمين.
-تحويل بيعة هؤلاء النفر إلى بيعة عامة على الحقيقة، تجب التوبة على من لا يأخذ بها، ثم مدّ أثرها إلى الشام، حيث لا قدر لهؤلاء النفر ولا سمع ولا طاعة.
المُمَكَّن له: وهو الأمير أو الإمام
والحديث عن الإمام حديث ذو شجون. فقد أصبح"الإمام"عند أهل السنة اليوم، أقرب إلى أسطورة"الإمام الغائب"عند الشيعة. فالسنة يؤمنون بوجوب نصب إمامٍ، وهو صحيح، لتنتظم به أمور الدين والدنيا، كما عبر عن ذلك فقهاؤنا القدماء. كما أنه مطلوب عقلًا وعرفًا. فإن الجماعات الإنسانية عامة لا تحيا إلا بزعامة، تأخذ بزمام الأمور، فتقيم المعوج، وتصلح الفاسد، حسب ما تصطلح عليه تلك الجماعة من سياسات وتصورات ومبادئ، وضعية أو شرعية.
(1) - بل قد تعدى بها أخيرًا بعد كتابة هذا البحث إلى إعلان"خلافة"المسلمين! مما يؤكد الانحراف الأصيل في فكر تلك الجماعة.