فهرس الكتاب
وبهذا يمكن التأكد من صحة الشروط التي ذكرنا فيهم. وإلا فبيعة مجموعة ممن هم معروفون لأهل محلة خاصة لا تصلح إلا لبيعة مخصوصة كبيعة الجهاد مثلا، لا تتعدى إلى غير ذلك ولا يلزم منها أكثر من ذلك في رقاب المسلمين.
-أن العاقدين المُمَكِّنين، مسموعوا الكلمة من الناس عامة، حتى تتحقق بهم، وبأتباعهم الذين يلتزمون برأيهم واختيارهم، الشوكة والمنعة الظاهرة.
وإلا فإن لم يتحقق هذا، فهؤلاء لا فائدة منهم، ولا يحصل بهم شوكة ولا منعة.
كما لو اختلف عليهم الناس خارج محلتهم، فصار عقدهم غير مُلزم لأحد.
-أن البيعة العامة، يُشترط فيها المتابعة والموافقة، وإلا لم تثبت.
كما يشترط فيها حصول الشوكة و"لو فرض ثوران خلافٍ، لما غلب على الظن أن يصطلم أتباع الإمام، فإذا تأكدت البيعة، وتأطدت بالشوكة والعدد، واعتضدت وتأيدت بالمنة، واستظهرت بأسباب الاستيلاء والاستعلاء".
وهذه الشروط في غاية الواقعية ومراعاة المصالح، ودرأ مفاسد التعارض والاختلاف، ومن ثم التشاحن والتقاتل. فإن البيعة لابد فيها من أن يكون أهل الحل والعقد، في سائر الأمصار، على معرفة بمن أعطى القياد للإمام أولًا، وأن يكون هناك رضا مُتوقع منهم لثبوت البيعة. وإلا فإن من أعطى القياد أولًا، فقد أهليته في إجراء العقد، إذ هذا الرضا هو شرطٌ في صحة العقد، وهو شرك صحة، إذ بغيره لا تثبت البيعة التي هي محل العقد، كما تَحصّل من الكلام.
الاشكالية الحالية، بالنسبة للتصرفات التي اعتمدها الفكر الحروري البغدادي، المتمثل في تنظيم الدولة، أنهم خلطوا خلطا شديدًا بين هذه الأمور كلها.
فهم قد أثبتوا"بيعة"، لإقامة"دولة"، قالوا إنها ليست بيعة لإمامة عظمى، بناءً على عقد أثبته لهم عدد ممن قالوا إنهم"أهل حل وعقد"، والله أعلم بحالهم على الحقيقة، من أهل محلة في العراق، ثم انتقلوا بها إلى الشام، وألزموا بها أهله، رغم عدم موافقة أهل الحل والعقد في الشام، بل وفي غيرها، عليهم! ومن ثم، كانت النتيجة التي حذر منها الجويني رحمه الله، من أن ذلك لا ينشأ عنه إلا بيعة باطلة مبنية على عقد باطلٍ غير ملزم، لا شرعًا ولا حقيقة على الأرض، كما هو واضح، ثم حرب وقتال، وقتل وانشقاق.
وقل لي بالله عليك، مَنْ مِنَ أهل الحل والعقد، المسموعي الكلمة في بلادهم، من أصحاب الأتباع والأشياع، يؤيد أو يتابع على عقد هؤلاء الجمع المجاهيل في محلة بالعراق، على بيعة إمام؟ بل قد عارضها أكابر من هم من مسموعي الكلمة بالفعل من علماء أهل السنة كما هو معروف.
ودع عنك إشكالية أنّ البغدادي نفسه شق عصا الطاعة على أمرائه ابتداءً، فبطلت بيعته وكلّ بيعة أخذها بعد ذلك، إذ ما بُني على باطل فهو باطل.