فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 721

فأهل الحل والعقد، لهم شروط وردت في كتب السياسة الشرعية، بألفاظ مختلفة. كما قد يناقش الفقهاء أمر العبد والمرأة، وغير ذلك. ومنهم من اشترط القدرة على الإفتاء أو حتى الاجتهاد.

لكننا وجدنا الأجمع فيها والأكثر قربًا من الواقع هو ما قرره الجويني بقوله"فالفاضل المطلع على مراتب الأئمة البصير بالإيالات والسياسات، ومن يصلح لها، متصف بما يليق بمنصبه في تخير الإمام" [1] .

ويصفهم كذلك بقوله:"وهم الأفاضل المستقلون الذين حنكتهم التجارب وهذبتهم المذاهب، وعرفوا الصفات المرعية فيمن يناط به أمر الرعية، فهذا المبلغ كاف في بصائرهم والزائد عليه في حكم ما لا تمس الحاجة اليه". [2]

وتعليقًا على هذا الكلام، فإنا نقف موقفًا وسطًا بين الجويني، ومن اشترط الاجتهاد في أفراد أهل الحل والعقد، ونسير على ما قرره الباقلاني في التمهيد، مما نقله عنه الجويني، من أنه"لا نشترط بلوغ العاقد مبلغ المجتهدين، بل يكفي أن يكون ذا عقل، وكيسٍ وفضل، وتهد في عظائم الأمور، وبصيرة متقدة بمن يصلح للإمامة" [3] .

والنقطة الأخرى هي العدد الذي تنعقد به البيعة. وقد زعم الباقلاني في التمهيد إنها قد تنعقد بواحد! وهذا خطأ إذ يناقض أصل التعريف بأنهم"أهل"وهو ما يوحى بالتعدد، وإن لم يلزم عدد معين لذلك. وهو عين ما قال الجويني"مما يؤكد ذلك إتفاق العلماء قاطبة على أن رجلًا من أهل الحل والعقد لو استخلى بمن يصلح للإمامة، وعقد له البيعة، لم تثبت الإمامة" [4] .

ولكن، الأمر هنا، والذي تطابقت عليه الأمة، مهما كان العدد، هو أن"ينقاد"بقية الناس لاختيارهم.

وفي هذا يقول الجوينيّ"ولكن لمّا بايع عمر تتابعت الأيدي، واصطفقت الأكف واتسقت الطاعة، وانقادت الجماعة، فالوجه عندي في ذلك أن نعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع يحصل بهم شوكة ظاهرة ومنعة قاهرة."

بحيث لو فرض ثوران خلافٍ، لما غلب على الظن أن يصطلم اتباع الإمام، فإذا تأكدت البيعة، وتأطدت بالشوكة والعدد، واعتضدت وتأيدت بالمنة، واستظهرت بأسباب الاستيلاء والاستعلاء، فإذ ذاك تثبت الإمامة وتستقر، وتتأكد الولاية وتستمر، ولمّا بايع عمر مالت النفوس، إلى المطابقة والموافقة. ولم يبد أحدا شراسا وشماسا،، وتظافروا على بذل الطاعة حسب الاستطاعة". [5] "

المحصلة هنا تتلخص في التالي كما نراها:

-أن أهل الحل والعقد، الذين يعقدون أو يُمَكِّنون لإمام، يجب أن يكونوا على تلك الصفات المذكورة، وأن يكونوا لذلك من المعلومين لجميع الأمة، بحيث يصح أن يوالوهم على اختيارهم، لا أن يكونوا مجاهيل، غير معروفين إلا لأصحاب محلتهم.

(1) - غياث الأمم 82

(2) - غياث الأمم 82

(3) - وهو ما يفهم من كلام الباقلاني في التمهيد في باب الحديث في الإمامة، ولم نجده نصا عنه.

(4) - الغياثي ص 87

(5) - المصدر السابق ص 87

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت