فهرس الكتاب
التدريب في طرق التجارب، والغرض الأعظم من الإمامة جمع شتات الرأي، واستتباع رجل أصناف الخلق على تفاوت إراداتهم، واختلاف اخلاقهم ومآربهم وحالاتهم، فإن معزم الخبال والاختلال يتطرق إلى الأحوال من اضطراب الآراء، فإذا لم يكن الناس مجموعين على رأي واحد لم ينتظم تدبير، ولم يستتب من إيالة الملك قليل ولا كثير، ولاصطلمت الحوزة واستؤصلت البيضة". [1] "
وهذا النص درة من درر الجويني في هذا الأمر. فإنه بلا عقل للإمام المختار، يؤدى به إلى جمع الشمل وشتات الآراء المختلفة، قامت الحرب، وفقدت الإمامة غرضها، فإن الإمامة ذاتها لا معنى لها على الأرض، إن طلت فرقة بين الفرق المتناحرة، لا أكثر. وما ذكره الجويني هو ما رأيناه في بيعة أبي بكرٍ الصديق رضى الله عنه. إذ توالت البيعات عليه من كلّ مكانٍ، بمجرد أن سلمّ له عمر رضى الله عنه صفقة يده، دون مغالبة. فإن تحجج أحدٌ بفعل معاوية رضى الله عنه في عدم التسليم لعليّ، قلنا، هيهات، هذا ليس بناقض على الإطلاق، إذ مغالبة معاوية لم تكن عن رفضٍ لعليّ رضى الله عنه بذاته، بل قد سلّم له من حيث الكفاية والدراية والاستحقاق، لكنها كانت أولويات بالنسبة إليه، يجب أن تراعى قبل استقرار البيعة، وهي حدّ قتلة عثمان رضى الله عنه. والخروج عن رأي إمام اجتمعت عليه غالب فئات المسلمين، في أمرٍ اجتهاديّ، فيه بغي عليه.
والإشكالية هنا، في الفكر الحروري الحديث، هو أنهم يريدون أن يثبتوا"دولة"، وإمام أو أمير أو رئيس لها، سمه ما شئت، دون المبايعين لها، أو المُمَكِّنِين منها، بل ودون الأرض التي يُمَكّن عليها."فالدولة"، ومن ثمّ الإمام أو الأمير أو الرئيس، يأتي أولًا، ولو بشكليات تشبه الشرعية صورة، ولا توافقها مقصدًا ولا حقيقة، بل تناقضها على طول الخط، من حيث صارت يدًا للأعداء يقتلون المسلمين المخالفين لهم، بدلًا من قتل النصيرية، وهذا هو عين الضلال، ولب الفساد والإفساد. فهم، باختصار يجعلون السبق للاسم قبل تحقق الفعالية على الأرض. ومن كان هذا منتهى عقله وآخر دربته، فكيف بالله عليك يحقق"الغرض الأعظم من الإمامة جمع شتات الرأي، واستتباع رجل أصناف الخلق على تفاوت إراداتهم، واختلاف أخلاقهم ومآربهم وحالاتهم"!
هذا الخلل العميق في فهم منظومة الإمامة، وعلاقتها بقيام"دولة"هو من أشدّ الأمور اضطرابًا في الفكر الجهادي عامة والحروري خاصة.
وخلاصة القول فيها أنه يجب ان يكون أهل الحل والعقد ممن يحصل باختيارهم الوئام والاتفاق، لا الخلاف والقتال، وهي ذات الصفة التي يجب توفرها في الإمام المختار كذلك، عدا غيرها مما نراه أقل أهمية منها خاصة في عصرنا هذا. إذ إن"الإمامة"قصدها جمع الشمل والكلمة، لمواجهة العدو، لا لمواجهة بين المسلمين بعضهم البعض، فإن لم تتوفر أدت النتيجة إلى فوات القصد، وهو عكس مقصود الشارع.
"الدولة الإسلامية"في مواجهة الخارج:
وهذه إشكالية كبيرة في الفكر الجهادي عامة، والحروري خاصة. فإن تحرير مفهوم"الولاء"وعلاقته بالاتفاقات الدولية، ومدى توافق محدثاته مع الشريعة، سيكون محتاجًا إلى إجتهاد عظيم، وفهم تام لمقاصد الشرع، ولمدلولات أحداث السيرة
(1) - الغياثي ص 96