فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 721

ومفاهيم الحديث الشريف. كذلك يحتاج إلى دراية كاملة بالخريطة السياسية، ثوابتها ومتغيراتها، والقدرة على التأثير فيها. فإن البندقية لا تقدم حلًا في كلّ وقت ولكل مشكلة. السلاح يشكِّل بداية الحلِّ ونهايته. أما في خضم الحياة، فلا دور له إلا إرهاب العدو المتربص، أو دفع الصائل المعتدى.

إشكالية العوائق:

العوائق السياسية التي تواجه قيام"دولة إسلامية"، للناظر من باب الأسباب الدنيوية البحتة، لا يكاد يحصرها العدّ. فقد تكالبت القوى العالمية، على اختلاف مذاهبها وأديانها وتوجهاتها، على أن لا تقوم للإسلام دولة مركزية، تخلف الخلافة العثمانية، سواءّ كانت دولة أو خلافة، سمها ما شئت. اجتمع على ذلك الغرب الصليبي الصهيوني متمثلًا في أمريكا وأوروبا، والشرق الشيوعيّ، متمثلًا في روسيا والصين، والشعوب اللادينية التي تعبد الأحجار والأبقار، في الهند وجنوب شرق آسيا. لم يختلفوا على هذا القدر، ثم اختلفوا على كلّ شئ من ورائه.

بل، قد اتفق حكام العرب، من العلمانيين المرتدين، بلا استثناء، سواء كانوا رؤساء جمهوريات أو تيجان ملكيات، على ألا تقوم مثل هذه الدولة، بأيّ حالٍ من الأحوال، إذ في المركزية فقدان لكلّ منهم ما يتمتع به من ميّزات.

ومن ثم، فإن فكرة قيام"دولة إسلامية سنية على النهج النبويّ"هي فكرة أسهل ما تكون تمنيًا، وأصعب ما تكون تحقيقًا على الأرض.

وقد رأينا مِصداق ذلك في مصر، حيث تحركت قوى الخليج العميلة، لتضرب الإخوان، على ما في دولتهم التي صمدت عامًا يتيمًا واحدًا، من كلّ بلاء واستسلام، يجعلها أسوأ مثال لدولة سنية. لكن هذا لم يشفع لها عند الشرق، ولا الغرب، ولا العرب!

كما رأينا كيف استطاعت تلك القوى الصهيو-صليبية، بالتعاون مع عملاء الخليج، أن يحوّلوا ما كان صحوة للشعوب ضد قاهريها، إلى حكومات علمانية في تونس وليبيا واليمن، ومصر علي رأسهم بطبيعة الحال.

ثم، لا يجب أن ننسى في معادلة"الدولة الإسلامية"أنّ الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بقوة ضاربة هائلة في شرق جزيرة العرب، وفي قطر والبحرين والكويت. وهي قوى مستعدة للتدخل إن هُدّدت مصالحها النفطية بأي شكلٍ، أو بأي كيان. فأمريكا لا يهمّها من يقود، وبأي عقيدة يقود، وأي شعب يقتل، رافضة أو سنية أو حرورية، كلهم سواء، طالما أن مصادر النفط وقواعدها العسكرية محفوظة. هؤلاء لا يتحركون بوازع دينيّ، بل بوازع اقتصاديّ تحميه القوة، لا غير.

ثم، العامل الأهم في هذه المعادلة، هو القوة الصهيونية، النووية، التي تقبع في قلب الرقعة المسلمة، تهددها كلها، إن تعرضت لأي تهديد كان. بل قد تحالفت معها بقية عملاء العرب، كفاحًا، كمصر والخليج بعامة، تحالفًا ذليلًا، حين شعروا بالخوف من القوى الصفوية المتعاظمة، ومن الخلاف مع تركيا، ومن الخطر الجهاديّ القادم من العراق والشام، والذي قد ينتج عنه"دولة"لا يعلمون ما يفعلوا إزاءها!

كذلك، فإننا رأينا أنّ"الحصار"الاقتصاديّ عامل مؤثرٌ في الدول التي يقف منها العالم كله موقف عداءٍ، مثلما حدث مع العراق قبلًا، ومع كوريا الشمالية ومع غزة الحبيبة اليوم. ومع علمنا بأن الحصار لا يهزم الأمم، ولا يكسر الهمم، إلا إنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت