فهرس الكتاب
مؤثر هام قوي يعين على إضعاف الكيانات القائمة إضعافا شديدًا، خاصة إن كانت مخترقة من الداخل بالروافض، أو كانت حكوماتها غير مقبولة قبولًا واسعًا كما لو تحكّم الحرورية في العراق.
أما العوائق العقدية، فتتمثل في وجود ذلك الانشقاق الأخير، الذي ظهر في صفوف المجاهدين، بظهور تنظيم البغداديّ الحروريّ، في مقابل غالب الجبهات الأخرى التي انقسمت إلى سنة عامة، كجبهة النصرة وعدد من الكتائب المستقلة، وإرجائية إخوانية ظهرت في الجبهة الإسلامية. هذا الاختلاف، هو ضربة قوية لإمكانية قيام دولة سنية موعودة. إذ إن الحرورية، لو قامت لهم دولة، ولا نظنها قائمة، فلن تكون تلك الدولة التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا هي التي تقيم الإسلام على نهج النبوة. وإن ظفرت الجبهة الإسلامية بهذا النصيب، فإنها لن تكون إلا تابعًا، في غالب أمرها للخليج، ماديا ومعنويًا. أما عن مجاهدي السنة، وهم قليل، فهم مُحاصرون بين كافة الجبهات"الجهادية"الأخرى، منهم من يكفّرها ويقاتلها كالحرورية، ومنهم من يحرجها باتفاقيات ومواثيق تجعل التقارب والتعاون بينهم مستحيلًا دون خيانة الله ورسوله.
و"الدولة الإسلامية"، حين قيامها، ستكون مطالبة بالتعامل مع جوار. وهذا الجوار، في أيامنا هذه عَفنٌ خَرِبٌ، لا دين له. لكنه مرتبط بقوى عالمية لن تسمح بأن تتحطم مصالحها كلها في المنطقة، وأن تخسر كلّ رصيدها، خاصة والكيان الصهيونيّ في وسط هذه المعمعة. وهو كيانٌ متسلحٌ بقوى نووية، وأحدث أنواع الأسلحة في العالم، بل ويقوم بتصنيعها وتطويرها بنفسه على أرض فلسطين المحتلة.
لكن، لغرض هذا الجزء من الدراسة الذي يتعامل مع الإشكاليات، علينا أن نفترض إمكانية قيام مثل تلك الدولة، حتى نكمل دراستنا، فننظر في الأطروحات التي يمكن أن يتبناها العمل الإسلامي، الجهاديّ أو السياسيّ، ليصل إلى غرض قيام تلك الدولة، إن شاء الله.
الأطروحات
إنشاء الدولة في النظر الإخواني:
فلنقرر أولًا وقبل كل شئ أنّ التوجه الإخوانيّ السلمي الديموقراطي، لن يُنشأ دولة إسلامية، مهما توهّم أتباعه، ودع عنك التوجه السروريّ، فلهؤلاء نظرة لدينهم لا تطابق لها مع معنى التوحيد إلا لمامًا.
الأطروحة الإخوانية فاشلة بكلّ معايير العقل والشرع والواقع. فالشرع يعاكس المبدأ الديموقراطيّ على طول الخط. إذ الديموقراطية هي تقنين ما تراه الغالبية الشعبية صالحًا، وتجريم ما تراه فاسدًا. وهذا النظر لا محل له في دين الإسلام البتة. إذ الصالح هو ما أحله الله وأوجبه، والفاسد هو ما حرمه الله في شرعه، دون استثناء. ثم إن العقل يشهد أنّ الغالبية الشعبية عادة هي من العوام الجهلة، فبأي منطق عقليّ يوكل لها تحديد الصالح والفاسد.
فإن قيل: بل يوكل إلى ممثليها، قلنا: هي عين المسألة، كيف تحدد ممثليها ممن يوثق فيهم ابتداءً، بغير معايير الدين والخلق؟ ثم إن العادة والواقع قد استقر على عدم جدوى هذا التوجه، لمضادته لمصالح الدول الكبرى، وأذنابهم من رؤساء وملوك