المسلحة بيعتها وأميرها على أبناء"الأمة"في تلك الأرض المحررة، كانت بيعة غصبٍ، لا بيعة شرعية، وأصبحت تلك الجماعة غاصبة للسلطة، معادية للأمة ولرعاياها، فإن تغلب عليهم بلا مقاومة كانت إمارة تغلب، وإن ظلت المقاومة ضده قوية فليست بإمارة.
والمشكلة هنا هي أنّ الإسلام جاء لتحرير رقاب الناس من كلّ مغتصب، حتى لو كان من هم من أبناء جلدتهم، لحقّهم في المخالفة داخل إطار السنة. ونظام الحكم في الاسلام السنيّ يقوم على الشورى لا على الحكم الجبريّ، أو النظام الديكتاتوري، حتى لو تبنى الشريعة نظامًا، فالدكتاتورية أمرٌ لا يعرفه الإسلام ولا يقره، وإن ادّعى أصحابه توخى المصلحة، تماما كما لا يعرف الديموقراطية وإن ادّعى أصحابها نفس الدعوى.
الإسلام نظامٌ ثالث لا يعرف ديكتاتورية ولا ديمقراطية. لا يعرف ديكتاتورية الحرورية، ولا ديموقراطية الإخوان. كلاهما ساقطٌ في النظر السنيّ. وهنا يأتي التوصيف الصحيح والوظيفة الحقيقية لأهل الحلّ والعقد.
ومن ثمّ، فإن أهل الحلّ والعقد، يجب أن يجتَمعوا، بعد مرحلة التمكن، وأن تكون كلمتهم هي الأعلى. وليس لأمير تنظيمٍ، قاتَل في مراحل التمكن، قبل التمكين، وأسمى نفسه"أمير المؤمنين"أن يفرض نفسه على كافة رعايا"الدولة"، فإن هذا لا يكون إلا نتيجة فهمٍ منحرفٍ ظاهريّ لقواعد الإمامة ودور الإمام ووظيفة أهل الحلّ والعقد. ومثل هذا التصور الظاهريّ، الجبريّ، الديكتاتوريّ، لن ينتج إلا صراعا مستمرًا داخل"الأمة"، ولن يكون إلا أداة لقتل الأرواح المسلمة، بدلا من حمايتها، بمبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة. وحتى إن ظهر أتباع هذا الفهم المُنحرف الظاهري الديكتاتوريّ الحروريّ، فإن هذا الكيان لن يكون ممثلًا"للدولة"التي تقوم على منهاج النبوة، وإن ظن أتباعها ذلك، بل سيكون ذلك محض تخرّص على السنة وعلى الإسلام. ويكون، في تلك الحالة، لا يزال الحكم الجبريّ الشامل، واقعٌ على"الأمة"، لكن مع تغيير المسميات دون الحقائق.
والصفتان الأهم في صفات أهل الحل والعقد، في هذه الحالة هما نفاذ الكلمة على العامة، مع العلم الشرعيّ. وبدون أيهما، لا يصح أن يُعتبر الفرد من أهل الحل والعقد. فبدون الأولى، لا تجتمع الكلمة، وبدون الثانية ينحرف النظر والتصور.
هل تقوم"الدولة"دون عصبية؟
ومفهوم العصبية الذي قرره ابن خلدون هو مفهوم رائع حق كلّه، وإنما يتلبس بصفة مغايرة مع الزمن. فالعصبية القبلية، والعزوة العشائرية التي قصدها في مقدمته، كانت هي السبب في قيام الدول الأولى في الإسلام، بعد عصر الراشدين.
لكن، مع تطاول الأزمان، وتخالف العادات بين المتابعين للدين، في أنحاء الأرض، واستقرار الكثير من القبائل والعشائر، وظهور النعرات القومية التي حاول الغرب جعلها مكان النزعة المتسلطة في نفوس البشر من الولاء العصبيّ، وهو ظاهر فيما أقامة من الحزبية السياسية، وأو الدوريات الرياضية، كقنوات تفريغ للطاقة تشغل الناس عن توجيه العصبية إلى أمر مالكي السلطة، فيزعزعها تدخلهم فيها.
يقول بن خلدون"في أن الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق. وذلك لأن الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالبة. وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه. قال تعالى:"لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم"، وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله. اتحدت"