فهرس الكتاب

الصفحة 617 من 721

والشكل الذي تدير به الجماعات والتنظيمات الإسلامية جهادها اليوم، لا يمت لشكل"الإمارة"أو"الدولة"بصلة، وإن ادّعى بعضها التسمية.

فالأمر ليس أمر تسميات، وإلا كان عبثًا لا معنى له، لكنه أمر حقائق وترتيبات على الأرض، يكون فيها تمكن حقيقي، لا عسكريّ محض، لهذه الإمارة أو الدولة الناشئة.

وسبب هذا، هو أنّ المقصود بهذه"الإمارة"أو"الدولة"هو إدارة شؤون الرعية في تلك البقعة، بما يضمن سلاسة حياتهم، وأمنهم وحمايتهم من العدو.

ولو فرضنا أنّ جماعة، أو تجمعًا، استولى على أرضٍ ما، مهما اتسعت، وتناثرت فيها قواته العسكرية، وما زال يحارب عدوًا يعيش بين ظهرانيه، ولم تتمتع رعاياها بالأمن أو الاستقرار، ولم يظهر لها أميرها، ولم تعرف تصاريف ماليتها وإدارتها، ما كانت هذه الجماعة أو التجمع دولة أو إمارة بعد، بل ظلت"مشروع دولة أو إمارة"، وظلت تلك الجماعة أو التجمع تحارب في سبيل ترسيخ الوضع الحقيقي المطلوب للدولة أو الإمارة.

واقع الحصار:

الذي يجب أن يفهمه الناظر في مسألة قيام"دولة"الإسلام، هو ذلك الحصار الشامل التي تفرضه قوى العلمانية والصهيو-صليبية، بدعم حكام العرب في المنطقة بلا استثناء، على أية محاولة لقيام"دولة"إسلامية في المنطقة، ويقر لها قرار، وتستمر في أداء وظيفتها لحماية رعيتها.

وهذا لا يعنى استحالة هذا الأمر، بل يعنى أنه يجب أن يكون هذا التصور قائمًا في أذهان المخططين لهذه الدولة، وواضعي تصوراتها وأهدافها القريبة والبعيدة.

ورفع هذا الحصار، ولو جزئيًا، يجب أن يكون من التصورات التي تقوم عليها الجهود الساعية لإقامة مثل هذه الدولة. ولا يكون ذلك بمخالفة الشرع الحنيف، مثلما يفعل البرزاني العلماني الكردي اليوم من بيع نفطه للكيان الصهيونيّ، فهذا فشل وضعيّ وشرعيّ، إذ فيه تقوية للعدو الذي يريد هدم كيانك، كرديًا كنت أو غير كُرديّ، طالما تنتسب لإسلام ما، بصيغة ما.

وصيغة الاكتفاء الذاتيّ هي الصيغة الأقرب في هذا الصدد، إلا إننا لا نزال نصارع فطرة الاكتفاء الذاتيّ في التسليح. فتقنيات الأسلحة الثقيلة والتكنولوجيا، لن يُسمح لها بالتسرب إلى هذا الكيان الوليد، إلا ما تسرب منها، بأي شكلٍ من الأشكال. وفرض الحصار البريّ أو البَحريّ أو الجويّ هو من الأسلحة التي يجب أن تحذرها الكيان الوليد، لشدة أثره الذي رأيناه على جيش صدام والشعب العراقيّ عقب حرب الخليج الأولى.

أهل الحل والعقد:

فإن ترسخ وضع الدولة، وكان أهل تلك الأنحاء في حرية من أمرهم، جمع الناس أهل الحل والعقد فيهم، واتفقوا على أمير للدولة. وهذا الأمير لا علاقة له بأمير الجماعة أو التنظيم بالمرة. فهذه بيعة وتلك بيعة. ومن ثم، فإن فرَضَت تلك الجماعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت