فهرس الكتاب

الصفحة 616 من 721

الأمة إذن هي مفهوم هلاميّ في الفكر الحروري، يتغير حسب موقع أفرادها وجماعاتها من تنظيمهم بالذات، لكنه واضح جليّ في المفهوم السنيّ. وهو الذي أشار إليه الشيخ المجاهد أسامة بن لادن من قبل، حين فرح بالربيع العربيّ، واقترح إقامة مجلس شورى لدعمهم وتوجيههم، وما أقره الشيخ المجاهد أيمن الظواهريّ في كلّ قوله، ضدًا لما قالته الخوارج البغدادية.

فالساعين لإقامة الدولة الإسلامية المنشودة، يجب أن يلتزموا بهذا المفهوم للأمة، وأن يتبنوا الحاضنة الشعبية المسلمة في صراعها للوصول إلى الوجود، ثم البقاء.

وقد تحدثنا عن"حاضنات شعبية"بصيغة الجمع، من حيث إنّ ذلك يتمشى مع مفهومنا للتمكين، وهو أنه استعادة السيطرة في أماكن متعددة من أرض الإسلام. ومن هنا، فإن"الدولة"قد تنشأ في أماكن متعددة، مستخدمة لحاضنتها الشعبية الخاصة. وهو أمرٌ طبيعي بالنسبة لتعدد العادات والخصائص والطبائع، ومن ثم طرق التعامل والتعاون والمقاومة.

ومن هنا كذلك، يفترق مفهوم"الدولة"أو"الإمارة"عن مفهوم"الخلافة".

فمفهوم"الدولة"أو"الإمارة"هو الأليق بأن يسعى له الساعون اليوم، للعوائق المُتراكبة التي تحدثنا عنها، والتي لن يتمكن فريق أنّ يتخطاها، إلا من عاش في وهم أنه يعمل في فراغٍ سياسيّ، بلا مراقب متربص أو عدو مترصد.

ولهذا فإن مجاهدي أفغانستان كانوا من الحَصافة والذكاء أن لم يسعوا لتسمية إمارتهم أو دولتهم خلافة، بل لم يغيّروا اسمها الأصلي"أفغانستان". هذا من قبيل تحييد المراقب المتربص والعدو المترصد. ومع ذلك لم تتركهم القوة الغربية الصليبية إلا خمس سنوات، مُتمكنين حقًا في بلادهم. وهو درس لا نعرف كيف يغيب عمن يتحدث اليوم عن خلافة إسلامية، بل عن دولة إسلامية تتجاوز حدود المناطق التي لا تزال تجاهد فيها دون تمكّنٍ بعد.

ومن ثمّ، فإننا نرى أنّ انتشار"الوعي الإسلامي"وتوسيع رقعة"الحاضنة الشعبية"، هو من أهم عوامل إقامة "الدولة أو"الإمارة". ويشبه تصورنا هذا في إقامة"الدولة"بعملية "تفتح الزهرة"أكثر من"تفجّر القنبلة"، وإن كانت العمليتان تنتجان أثرًا واحدا، لكن الأولى تدوم وتتنتج حياة وتترعرع، والثانية تؤذى وتقتل وينتهى أثرها."

وهذا لا يعنى أن"الجهاد المسلح"هو وسيلة التغيير الوحيدة، كما قررناه من قبل، بل يعنى أنّ هناك فرقٌ بين التعامل مع الحاضنة الشعبية، وهو مَثَل تفتح الورد، وبين التعامل مع العدو الصائل، وهو مَثَل تفجّر القنبلة. والأول يراد له الدوام وإقامة الحياة، والثاني محدود بتحقيق الهدف وهو هدم النظام، لا أكثر.

التمكين:

لابد أن يكون واضحًا أنّ التمكين الذي تقوم عليه"دولة"أو"إمارة"في هذا العصر، بل وفي كل ّعصر، يرتبط بوجود"حدود"ثابتة، تحت السيطرة الدائمة، وعلى وجود عاصمة للإمارة، تدير شؤون الحكومة المركزية، وأن يكون هناك"أمير"لهذه الإمارة معلوم ظاهرٌ بين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت