فهرس الكتاب
ونقول"يمكن"لأهلها"حمايته والدفاع عنه"إذ إن الأصل هو أنّ أهل المحلة قابلون للمجاهدين، مرحّبون بهم، بلا ضغط أو تهديد. وذلك من حيث أن عملية التحرير والسيطرة ليست كما حدث في الفتوحات الأولى، للأسباب التي قدّمنا. فإن لم يكن أهل المحلة قابلين، لم يكن هناك تمكين، بل هو شكلٌ آخر من أشكال الاحتلال، يؤدى إلى تخالفٍ وتقاتل.
"الأمة"و"الحاضنات الشعبية"
ولا نرى ذلك يتم إلا من خلال"الحاضنة الشعبية المُسلمة"، أو ذلك الجزء من"الأمة السّنية"التي تعيش على تلك الأرض.
ولابد هنا أن نبيّن مفهوم"الأمة"عند أصحاب الفكر الحروريّ. فهؤلاء يرون أنّ الأمة هي كلّ من ناصرهم ووافقهم فكرًا وعملًا، وأنّ قلبها هم المقاتلون من حاملي السلاح. وهونفس المنطق العسكري الذي تتعامل به الديكتاتوريات على مر التاريخ، كما كان هتلر وموسوليني وستالين. القوة العسكرية هي الأمة، لا غيرها. ومن وافقهم وخضع لهم خضوع الذليل الموافق، فهو"مقبول"لديهم، مجرد مقبول. ومن خالفهم فكرًا أو عملًا، فهو مرتد يستحق القتل على الفور دون رحمة. ولا يغرنك أقوالهم، فهم يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما ينكرون. أصحاب هذا الفكر لا يعترفون بأمة سبقت وجودهم، أو خرجت على مراسيمهم. ومن ثمّ، هاجموا الحاضنة الشعبية، وهو حق أريد به باطل. فكما بيّنا من قبل، أنه إن أريد بالحاضنة الشعبية ذلك الخليط من الكفار والمرتدين العلمانيين والمسلمين، كما تراها الإخوان، فهي حاضنة غير مبروكة، لن تنتج إلا خداجًا، وهو ما رفضناه ورددناه سابقًا. وإن أريد بها المسلمون ممن لا يوال على حب الله ورسوله، مطيعهم وعاصيهم، فهي التي تقوم عليها"الأمة"، كما كان"أهل المدينة"من الأنصار هم"الحاضنة الشعبية"لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمفهوم"الأمة"مغلق محدود بالموافق في الفكر الحروريّ. وهو منفتح متنوع، محكوم بالكتاب والسنة وفهم القرون الثلاثة الأولى الفضلى في الفكر السنيّ.
وهذا التنافر بين المنهجين نابعٌ من الفهم العقديّ الأصلي لموضوع الإيمان. فالحرورية يرون أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، بل هو عندهم ثابت، بينما أهل السنة يرون أن الإيمان يزيد وينقص، وأن المسلم تقع منه الطاعة كما تقع منه المعصية بدرجاتها دون الكفر بيقين. ونحن نعلم أنّ حرورية هذا الزمن لا يصرحون بهذا القول، بل يردونه ما استطاعوا. لكن القول في هذا ليس اليهم، إذ لا يقر صاحب بدعة ببدعته، وهو يعلم تفاصيلها، ويعلم أن مخالفيه يعلمون تفاصيلها. إنما الحكم هنا يرجع إلى تصرفاتهم التي تحكم على عقيدتهم وفهمهم للإيمان وحدّه. فهذا النظر إلى الإيمان هو الذي يبرر تكفيرهم لمن خالفهم، وإلباسهم أفعال معصية، لباس الكفر، والقتل عليه.
ولا يخفي ما في هذا التوجه من نفاق ظاهر. إذ يمكن للموافق المصاحب لهم أن يرتكب معاصٍ، أو حتى كفرًا مما يرونه كذلك، فيغفر له، أو يعاقب عليه كما في السنة، لكن نفس الفعل من المخالف المفارق يُعتبر كفرًا لا معصية فيه، يُقتل عليه. وانظر إن شئت كيف قتلوا أبا سعد الحَضرمي لأخذه بيعاتٍ من بعض عوام أتباع الجيش الحرّ"المرتدين"، بينما هم أنفسهم قبلوا بيعات بعثيين من العسكريين بين صفوفهم الأولى، وأتباع للأركان في موحسن مؤخرًا، غير تعاونهم مع النصيرية في حصار وقتل مسلمي الدير!