فهرس الكتاب

الصفحة 620 من 721

فيها الدين عن السياسة واقعًا، وإن لم يعلنوها واضحة. كذلك مع آل فيصل في الحجاز أولًا ثم في الأردن ثانيا، بالنسب القرشيّ، ثم بالعصبية العشائرية بعدها.

وقد كان خطأ الإخوان الفادح هو أنهم ظنوا أنّ الدعوة الدينية كافية لإقامة الدولة دون العصبية المدعومة بالقوة، والتي تجسدت مصيبتها في قولتيهما"المشاركة لا المغالبة"، و"سلميتنا أقوى من الرصاص". والكلمتان قد آتتا أكلهما بالخيبة والخسران المبين، والسقوط المُزرى للجماعة ككل.

والدعوة الدينية هي عصب الدولة النبوية بلا شك، وقد تقوم دول وممالك بغيرها، كما نرى في الغرب النصرانيّ، إلا إننا نتحدث هنا، على صنف العرب خاصة، وإن اشترك في الكثير مع بقية البشر. وصدق عمر رضي الله عنه"لقد كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام، فإذا إبتغينا العزة بغيره أذلنا الله". وهذه خاصية للعرب على وجه الخصوص، تشهد لها القرون الأربعة عشرة الماضية على الصحة والدقة. فلن تقوم لنا قائمة إلا بهذا الدين، والعصبية تحت لوائه.

الفرق بين انتشار الإسلام قديمًا وحديثًا

وفي هذا الصدد، فإنه يجب أن نثبت الفرق بين تطبيق مبدأ العصبية بشكلٍ مباشر، كما استخدمها ابن خلدون، بناء على ما استشف بعبقريته من أحداث قيام الإسلام ودوله حتى عصره، وبين ما نحن فيه اليوم، فالفرق واسع شاسع، في الوسائل، وإن كانت المقاصد لا زالت قائمة لا تتبدل.

لاشك أن العصبية الدينية في القرون الثلاثة [1] الفضلى لا يمكن أن يوجد لها مثيلٌ اليوم، من حيث قوتها ونقاء فهمها وحسن سيرة القائمين عليها. ودع عنك هنّاتٍ، جرت بين الصحابة، فكلّ يسعى لصالح دين الإسلام والعدل كما يراه. وقد ظهر ذلك جليًا في آخر ما رميت به الأمة من حرورية التنظيم القائم على جزء من الدعوة الدينية في العراق والشام، وأقصد البغدادية.

وقد رأينا كيف أنّ عليًا رضى الله عنه قاتل الحرورية، كي تصفو صفوف المسلمين من خبث البدعة، خاصة إن تجمّعت في شكل تنظيم مسلح.

ثم الفارق الآخر، وهو التغير الساحق في وسائل الحرب وطرقها، وظهور التكنولوجيا الحديثة. وهذا أمرٌ لا يجب أن يتخطاه الباحث بسرعة، أو أن يستهين به. فإن شجاعة الشجعان، قد خسرت بعض موقعها العالي لحساب تلك الوسائل التي لا تحتاج لشجاعة ولا جسارة، بل إلى خسة ووضاعة، دائما تجدها متوفرة عند من يملكون تلك الوسائل الحديثة.

كذلك، ما أشرنا إليه آنفا، من ضعف ولاء الحاضنات الشعبية وتغير تصوراتها بشكل تحول في بعض الدول إلى كفر صريح بالله سبحانه، كما رأينا في مصر وتونس على الأخص. وقد رأينا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحرك من مكة إلى

(1) - وأرى أن القرون هي الأجيال، أي الثلاثة أجيال التابعة لجيل رسول الله صلى الله عليه سلم، أي جيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، لا القرن بمعنى مائة عام. وهو ما يأخذنا إلى حوالي الربع الثاني من القرن الثاني الهجريّ، على أكثر تقدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت