فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 721

المدينة حين توفّرت الحاضنة الشعبية القوية المخلصة المسلمة في المدينة، ليكون بين أهلها في أمان ومنعة وعزة. ولم يكن للإسلام كيان ينتسب إليه أو عصبة يعتمد عليها قبلها.

هذه العوامل، كلها، يجب اعتبارها في وضع أيّ تصور عن قيام دولة للإسلام، ونعنى هنا دولة حقيقية لها مقومات السلطان والمنعة والعصبية، لا ذلك الكائن المسخ الحروري، الذي يريد أن يفرض نفسه بالقوة على ساحة، ليس له فيها كمال القوة والمنعة والسلطان. بل يتقاسمه معه قوات مجاهدة سنية، وعشائر تكاد تنكر وجوده بالكلية [1] ، ويعمل على إزالتها عن طريق"قتل المصلحة"!

والنتيجة:

أما وقد وصلنا إلى توضيح هذه النقاط المتشابكة، فإننا نخلص إلى أنه لا بد من توفر العصبية الظاهرة، والقوة القاهرة، والحاضنة الشعبية القابلة القادرة، والسياسية الشرعية الواعية الصابرة، لقيام أي"دولة إسلامية". وبدون أيّ من هذه المركبات، فلا يمكن أن تقوم لدولة قائمة، مهما بلغت قوة المركبات الأخرى في تلك المعادلة الرباعية.

من العصبية تنشأ الحماسة والجرأة على القتال

ومن القوة تنشأ المنعة وحفظ البيضة والحدود

ومن الحاضنة ينشأ المدد والاستقرار، ومنها يأتي اختيار أهل الحل والعقد، ثم اختيار الإمام.

ومن السياسة الشرعية، التي تدعمها القوة تنشأ المرونة في التعامل حسب ضوابط الشرع بما يقلل من الأخطار المحيطة بالدولة الناشئة.

قيام دولة الإسلام في العصر الحديث:

أما وقد مرت بنا نقاط التشابه والاختلاف بين مستلزمات قيام دولة أو إمارة إسلامية، قديمًا وحديثًا، فإنه يمكن أنّ ننتقل إلى تصور قيام هذه الدولة أو الإمارة في عصرنا هذا.

أشرنا إلى أنّ"الدولة الإسلامية"اليوم، ليست قائمة على عدم، كما كان الحال عهد رسول الله صلى الله عليه سلم، كما أنها ليست بذات قواعد صلبة على الأرض، بل تفتقد كافة المركبات اللازمة لقيامها إلى حدٍّ كبير. ومن ثمّ، فإن قيام هذه الدولة أوالإمارة يستلزم عملية هدم وبناء، وإصلاح وترقيع في نفس الوقت.

وقد أدى عدم فهم هذه المعادلة إلى فشل التجربة الإخوانية التي اعتمدت نهج الإصلاح والترقيع وحده منذ عصر الهضيبيّ، وفشل التجارب السلفية الجهادية التي اعتمدت أسلوب الهدم وحده، كحركة الجهاد المصرية، والجماعة الإسلامية. هذا عدا

(1) - كما رأينا على شاشة أحد الفضائيات التي استضافت قائدًا ورأسا من العشائر المقاتلة في شمال العراق، فلم يشر في حديثه من قريب أو بعيد لتنظيم البغدادي، بل تحدث عن ثورة عشائرية سنية، وحكومة وطنية وانتخابات!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت