فهرس الكتاب

الصفحة 622 من 721

فشل سائر الحركات السلفية الأخرى التي لم تراعي أيّ من الأبعاد التي ذكرنا، بل راحت تحاول البناء لا غير، على قواعد مهترأة، فسقطت وفشلت فشلًا ذريعًا، بل صارت معول هدم في عملية التحول للدولة الإسلامية، بعلمٍ أو بجهل، كسلفية الحويني واسماعيل المقدم وعصبتهما، وهم من الغفلة والتراجع الشديد مما أدى إلى فشلها في توجيه الشباب إلى بناء دولة إسلام، بل ساعدت على قهر العصبية الدينية في نفوس أتباعها وزرع روح الاستسلام والتبعية الذليلة محلها، وأعجب لمن يضع أمثالهما في سلة واحدة مع المجاهدين الصادقين من أمثال الظواهري والمقدسي! ولا أشير إلى عصبة المرتد البرهامي إذ هذا قد خرج عن الملة ابتداءً بموالاته المطلقة للطاغوت، تأييدًا وتعاونًا.

قلنا من قبل أنّه قد أدى عدم فهم هذه المعادلة [1] إلى فشل التجربة الإخوانية التي اعتمدت نهج الإصلاح والترقيع وحده منذ عصر الهضيبيّ، وفشل التجارب السلفية الجهادية التي اعتمدت أسلوب الهدم وحده، كحركة الجهاد المصرية، والجماعة الإسلامية.

ونبدأ بالقول بأنّ الخلافة على منهاج النبوة قادمة لا محالة، فهو قول الصادق المصدوق. لكنّ اليوم أمر واقعٍ يجب قراءته بدقة وعناية. ولا شك أن هناك إرهاصات وعلامات على وقوع هذا القدر المحتوم، و"ثم"تقع على التراخي فقد يكون بين الحكم الجبريّ ورفعه وإحلال الحكم على منهاج النبوة محله زمن طويل تقع فيه إرهاصات عديدة، صغرى وكبرى. فأن نفترض أننا في زمن إرهاصاته الكبرى، واقتراب موعده، بعض التفاؤل الزائد، وإن كان محتملًا، لكنه، بالنسبة لنا، مرجوحًا في هذا الوقت.

القوى الجبرية لن تسقط بهذه السرعة. بل، كما سنوضح، ترتبك بتغيير في المعادلة الدولية ككل، لا في شرقنا وحده، لكنها لا تسقط أمام بضع آلاف مهما كانوا. فإنه يجب أن نتذكر أننا لسنا نحارب بوسائل القرن السابع الميلاديّ. لذلك فإني أرى أن ما يحدث اليوم هو من الإرهاصات الصغرى، التي تنبئ بالإحلال عامة، وبصدق الوعد خاصة. لكن هناك خطوات، وإرهاصات يجب أن يعمل عليها المجاهدون، بعين مفتوحة على حركة التكتلات العالمية، وبخطة موضوعة محكمة، تبيّن ما هو من الثوابت القطعية التي لا مجال لاجتهاد فيها، وما هو من قبيل الاجتهاد، حسب الواقع والمناط والمصلحة وغيرها. ذلك أنّ العالم اليوم، غير عالم الأمس، بشكل كليّ عام. وتوازناته والتعامل مع متغيراته يحتاج إلى فقه دقيق عميق، لا مجرد قوة عسكرية محمودة، كما يظن حرورية البغدادي.

الحركة الجهادية هي الوسيلة الأولى والوحيدة التي ستعيد الإسلام إلى الصدارة. لكن، لا يمكن تجاهل أنّ هناك دول كبرى في العالم، وستظل. فقد ظلت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظلت في عهد الراشدين، وظلت في عهد خلافة الإسلام الكبرى أيام الأمويين والعباسيين، ومن بعدهم كافة ممالك الإسلام. فإن يظن أحدٌ أن المسلمين سيغزون نيويورك، ويأتون برأس أوباما تحت قدميّ البغداديّ أو غيره، هو واهم مسكين، لا يحسن النظر في أمور جيرانه، بله أمته. بل الأمر أمر توازنات يجب أن يعمل المسلمون على خلخلة ثوابتها القائمة اليوم، حتى يتم استبدال قوة محل قوة، واستبدال حكم طواغيت العرب بحكم الشريعة والإسلام.

(1) - وهي العلاقة بين وضع الإسلام والدولة في واقع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم في عهد الخلافة الإسلامية، وبين وضعها اليوم في بلاد رفضت الإسلام شكلًا وموضوعًا، كنظام حكم، وبقيت ثلة من أهلها عليه عقيدة، لا حيلة لهم، وإن صلحوا كحاضنات شعبية حسب الحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت