الحديث اليوم عن فتح واشنطن ولندن حديثٌ لا يدل إلا على الجهل بسنن الله في قيام الحضارات وسقوطها، وجهل مطبق بالواقع، وعمى عن السياسة الدولية. فهمّ المسلمين اليوم هو إيجاد محلٍ يمكن أن يتمكنوا فيه، ويستقروا، ويؤسسوا نظامًا إسلاميًا خالصًا، دون محاولة التصادم المباشر مع القوى المحيطة، إلا من صال عليها.
إن القوة اليوم، لا زال مركز ثقلها يقع في الغرب، بلا شك. وقوة الجماعات الجهادية المختلفة لا يمكن أن يكون ندًّا لهذه القوى إلا بالحاضنة الشعبية التي تمنع تلك القوى الصهيو-صليبية من الإبادة العامة الشاملة، وهي تحوز قوتها ووسائلها.
المشكلة التي وقع فيها الإخوان المرجئة، أنهم لم يؤسسوا نظامًا إسلاميًا خالصًا، بل نظروا إلى قوة العدو الهائلة، غير معتبرين أن لهم أيّ ثقل في توجيه الأحداث. ومشكلة الحرورية اليوم أنهم اغتروا بعدة مركبات اكتسبوها، وأراضٍ دخلوها، متناسين أية قوة خارجية بالمرة، وكأنهم يعيشون وحدهم، في فراغ!
مفتاح الدولة الإسلامية التي تريد أن تنجح في البقاء والاستمرار هو في تحقيق التوازن بين ثقلها الحقيقيّ على الأرض، وبين ثقل القوى الخارجية الهائلة، دون تغليب ثقل أحدهما على الآخر.
وهو توازن يحتاج إلى ذكاء فائق، وحنكة سياسية وعسكرية، وإدراك لنفسيات الشعوب ومواطن ضعفها وقوتها، وفهم لمقاصد الشريعة وأولوياتها، وزعامة حاسمة في اتخاذ قراراتها دون ظلم أو إجحاف، ثم حسن تقدير للواقع القائم على الأرض.
الخطوات التي نراها تُهيأ لقيام دولة إسلامية
في أي بقعة من البقاع التي عاش عليها، ولا يزال يعيش عليها"أمة مسلمة"، هي كما يلي:
-تكوين جماعات مسلحة مجاهدة، غير مركزية، تتمتع بمرونة كبيرة في الحركة، وتملك التصرف الذاتي في اتخاذ القرارات.
-أن تتعاون هذه الجماعات بينها بشكل فعّال في تحطيم البنية العسكرية والأمنية للمنطقة التي تعمل فيها، دون أن تتعرض لأي من الأهالي بسوء.
-أن يقتصر عمل هذه الجماعات على بلاد المسلمين دون استعداء لأيّ من بلاد الغرب بعمليات لا تأثير لها في أيّ شأن من شؤون حياتهم إلا"خربشات"لا تضرهم، بل تنفعهم في رسم سياساتهم المضادة.
-أن تتخذ هذه الجماعات من الحاضنة الشعبية المسلمة درءًا ووقاية وملجأ، إذ يستحيل أن تنتصر جماعة إلا بهذا التكافل، لحاجتها إلى"أمة"هي المادة الأساسية للدولة أو الولاية. فالمجاهد ليس أمة، والجماعة ليست أمة.
وإذ قررنا هذه الصورة، فإننا نعود مرة أخرى لنتحدث عن أهل الحل والعقد، والإمارة.
فمن أحشاء هذا الحاضنة، ومن بين صفوف أهل الجهاد، سيبرز من هم أهل لتمثيل هذه الأمة حين يتم التمكين الصحيح، والتغلب على نظامٍ قائمٍ وإسقاطه بالكامل، كما حدث، ظاهريًا فقط، في أيام حكم الإخوان في مصر.