فهرس الكتاب

الصفحة 629 من 721

ففي المرحلة الأولى مثلًا، يجب تجاهل الخارج بشكلٍ تامٍ وإخراجه من معادلة الحوارات والبيانات، وهذا هو عين ما تجد الخارج يتعامل به مع الحركات الوليدة، تجاهلًا كأن أمرًا لا يحدث، إلا ما هو من قبيل ثرثرات الإعلام غير الرسميّ. وهذا التصرف مبنيّ على أنهم يدرسون الحركة، ويستوعبون أبعادها ليكون ردّ فعلهم مرسومًا مقدّرًا. [1]

ومن ثمّ، فإنه كلما قلت المعلومات التي تخرج من الحركة كلما عُمِيّ عليهم معرفة أغراضها أهدافها، أو طريقة التعامل معها. وما كلّ هذه التصريحات النارية إلا سذاجة وصبيانية، ضرّها أكبر من نفعها. ثم تأتي مرحلة الإعلان، متأنية خافتة، تعنى بالداخل أكثر من الخارج، وتسمح بالحوار، ما لم يتجاوز الشرع، ولا يبعد عن ناظرها حاجتها للجيرة من حيث الإمداد والتموين.

ونقطة الجيرة أو المتاخمة هذه، من أهم ما عميت عنه أبصار الحركات الجهادية اليوم، إذ إنه، سواءً أردنا أم لم نرد، أحببنا أم كرهنا، فإن حدود سايكس بيكو لا تزال جاثمة على صدورنا، ولا تزال الحكومات العميلة تتشبث بها حتى تسقط، إذ في انهيارها سقوطها على أية حال. والدولة الوليدة سيكون لها جوار معادٍ وكاره بلا شكّ، من كلّ ناحية. ولهذا نرى أنّ أبا حنيفة قد جعل من شروط دار الإسلام"الجوار"أو"المتاخمة". وهو رحمه الله، في هذا قد كان أبعد الفقهاء نظرًا، حيث اتفق معهم في شرطيّ تطبيق أحكام الشرع، والأمان الأول للمسلم، ثم زاد عليهم شرط المتاخمة. وهو أجدر ما يكون بالاعتبار في عصرنا الحاليّ، إذ كيف يمكن أن يكون هناك دار إسلام، وهي محاطة من كل جانب بدول الكفر؟ هذا لايكون، شرعًا ولا عقلًا. فالأمان مفقود، وإمكانية الغزو قائمة، والاكتفاء الذاتي مستحيل، وفرار المرتد ميسور. وهي نقطة أخرى تضاف إلى عوار ما أسموه بالخلافة اليوم!

ثم تكون بعد ذلك مراحل متلاحقة في الإعلان، تتصاعد فيها وتيرة الاستقلالية والاستغناء والكفاية، وإن لم يلزم منها"التحدي"والاستفزاز، والفرق بينهما واضح لمن لديه فقه في سياسة الشرع والعقل.

خاتمة البحث:

مما لا شك فيه، بعدما قدمنا في بحثنا هذا من تفاصيل، أنّ إقامة"دولة إسلامية"في عصرنا هذا، هو أمرٌ جللٌ يحتاج غلى جهدٍ في العلم والعمل، في الفقه والجهاد، في دراسة الماضي واستيعاب الحاضر، في فهم أنفسنا وقدراتنا، وفهم العدو الداخل والخارج.

(1) - من أمثلة ذلك تلك الدراسة التي أصدرها جاريت براشمان، عام 2009، المتخصص في دراسة"الإرهاب"في قاعدة وست بوينت الأمريكية الشهيرة، قسم رصد الإرهاب. وقد تحدث فيها بتفصيل عن الحركات الجهادية، وعن عدد من أبرز الشخصيات في هذا المجال كأبي محمد المقدسي وكتابه"ملة إبراهيم"، وأبو يحي الليبي والشيخ أيمن الظواهري وكتابة"الولاء والبراء، كما نقل عنّا ما دوّناه في كتابنا"فتنة أدعياء السلفية وانحرافاتهم"، واستخدمه في بحثه على طول ما يقرب من عشرين صفحة. إقرأ Global Jihadism, Jarret Brachman p 22 - 41، وهو كتاب جدير بالقراءة لمن يهتم بأمر الفكر الغربيّ في الواقع الإسلامي الحرمي والجهاديّ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت