فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 721

وهي الأطروحة التي نراها اليوم سائدة على الساحة الجهادية، في التيار السلفيّ الجهاديّ بعامة، سواء من الحرورية أو من أهل السنة. وملخصها أننا سوف نفعل كذا وكذا، وسنحتل كذا وكذا، وسنقتل كذا وكذا. وهي أطروحة تعين على حماس المقاتلين، وتشدّ أزرهم، وتكتسب عطف الكثير من العوام الذين اشتاقوا إلى الإحساس بالعزة والكرامة والاستعلاء.

لكننا لا نرى أنّ هذه الأطروحة هي المثلى في عالم اليوم، إلا بعد التمكن الحقيقيّ من الحرب والمواجهة. فإنه ليس من السياسة ولا من الحكمة مواجهة عدوك بنواياك تجاهه وأنت تعلم أنك غير قادر على تحقيقها، بعد. ورسول الله صلى الله عليه سلم، لم يرسل وفودًا للفرس والروم وهو في مكة أو في أوائل سنواته في المدينة قبل أن يتمكن من بقية الجزيرة، ويعلم قدرته على المواجهة. وعالم اليوم عالم تقنيّ، يقول القائد الكلمة، فإذا هي وفده إلى العالم كله، قريبه وبعيده، في لحظة واحدة.

وهذا المنطلق ينشأ من ظاهرية عامة في تناول النصوص، وسطحية في فهم الواقع، وغلبة العاطفة على العقل، وقلة فقه بالسياسة الشرعية في عصرنا الحاضر. فكما أنّ الفقه قد تتغير فتاواه بتغير الزمان والمكان والحال، فإن السياسة الشرعية من الفقه. ومن ثمّ وجب أن ينظر إليها المجتهدون من باب ما تتغير فيه الفتاوى حسب حال القوة والضعف، والاستعداد والانتكاس.

وهذا المنطلق يصح ويصلح في حالة وجود"دولة"قائمة لها جيش وعدة وعتاد، ليكون من مثل هذه الكلمات والسياسات تخويفًا وإرهابًا للعدو أن يصول عليها. لكن، في مراحل النشأة والتكوين، فإننا لا نرى إلا إنها وبالًا على الحركات الجديدة الناهضة.

الأطروحة الثانية: اللين والتفاهم وسياسة التعايش والتوافق

وهذا المنطلق هو الطرف الآخر من سابقه، وهو إبداء الضعف والتنازل وإمكانية الخضوع للعدو من اللحظة الأولى، وتقديم الحركة على أنها صورة"معدلة"مما هو قائم! وهو المنهج الإخوانيّ في التعامل مع الخارج. وإن كنا نتحفظ، إحقاقًا للحق، فيما أبدي د محمد مرسي من رغبة في تغيير موازين التعامل مع العدو، وما صار له نتيجة ذلك، من حيث إنه لم يأخذ المنهج متكاملًا، بل اقتصر على العلاقات الخارجية، وترك ظهره مكشوفًا لعدوه الداخليّ الأخطر.

وقد يبدو هذا المنطلق أكثر حكمة وروية وتعقلًا من سابقه، لكنه، في حقيقة الأمر، ليس إلا استسلاما مبكرًا وحكمًا على الحركة الوليدة بالوأد في مهدها. فهذا المنطلق لا يصح ولا يصلح، إذ ليس هو بموافق للشرع ولا للوضع والعقل.

الأطروحة الثالثة: تقسيم الأهداف إلى مرحلياتٍ تكتيكية

وهي التي نحسب أنها أفضل وسيلة للتعامل بين الحركات التي تسعى لبناء الدولة الإسلامية، وبين الخارج. وفي هذا المنطلق، تتعامل الحركة مع استراتيجية واحدة، وهي بناء دولة قوية منيعة مكتفية ذاتيًا، لها هيبة وقدرة وصولة.

لكن هذه الاستراتيجية لا يمكن الوصول لنتائجها أو تبنّيها دفعة واحدة. ومن ثمّ يكون تقسيم الأهداف إلى مراحل تكتيكية. في كل مرحلة يتغير الخطاب إلى الخارج، حسب الحاجة، مع محاولة تقليل هذا الخطاب أصلًا، إن لم توجد الحاجة الملحة له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت