لكنّ هذه الظواهر النفسية، لا تجدي نفعًا حين يأتي وقت الصراع الحقيقيّ. بل إنه من لزوم النصر أن يعود المسلم ليحيا في الواقع الحاضر، وإن احتفظ بماضيه يستلهمه الرؤية الصائبة ويتخذه درعًا واقيًا من الانزلاق في مستنقعات الحضارة المعاصرة، فالماضي يمثل جذور البقاء، والحاضر يمثل أوراق النبت وثماره، تحيا في شمس الواقع، وتتحمل ريحه وتقلبات طقسه.
والشرع هو الشرع، في الماضي والحاضر، وفي المستقبل. إنما الأمر هو أنّ الواقع الماضي يحمل مناطات تختلف عن مناطات الحاضر، فالأحكام العامة ثابتة، والفتاوى تتغير. ومن الأحكام ما يستجد حسب الحاجة، وحسب الحالة.
أما وقد قدمنا بهذه المقدمة، فإننا نرى أنّ أمام أيّ كيان إسلاميّ وليد، ثلاثة خيارات في التعامل مع القوى الخارجية التي تتحكم اليوم في مفاصل السياسة والاقتصاد وتحوز القوة العسكرية الفائقة:
1.الفهم الظاهري والمواجهة الفورية
2.اللين والتفاهم وسياسة التعايش والتوافق
3.التوسط بتقسيم الأهداف إلى مرحلياتٍ تكتيكية - يلزم لها درجة عالية جدا من الوعي!
ونضيف هنا أنّ السيكلوجية البارعة ليست التي تفكر فيما تريد أو كيف تصل إلى أهدافها مع عدوها، بل هي التي تفكر بعقلية أعدائها، وتضع نفسها محلهم، لترى الخطوات التي يمكن أن يتخذوها قبل أن يتخذوها.
ضع نفسك محل عدوك، ثم انظر ما عساه يفعل، بعقله هو لا بعقلك أنت.
وهي قدرة تحتاج إلى دربة كبيرة وطويلة، أن يضع الإنسان نفسه محل عدوه، في كل منحى من نواحي الفكر والتطبيق، ليرى ما يفعل عدوه، ويكون منه على أهبة الإستعداد.
هذه الدربة معدومة في القيادات الحالية إنعدام الماء في الصحراء الجرداء. فالمسلمون لم يتعودوا هذا المنطق من النظر، بل هم يفكرون دائمًا إلى"الخارج"، أيّ ماذا يريدون أن يفعلوا؟ أو ماذا هو ردّ الفعل الأنسب على فعل وقع من العدو؟ أمّا الفكر الاسْتباقي، الذي يتخذ من عادات العدو، ومن أهدافه، ومن مناحي قوته وضعفه، ومن احتياجاته المرحلية، ومن علاقاته الآنية ومصالحة العاجلة والآجلة، ومن طبيعة قياداته وعاداتهم وطرق تعاملهم وأساليبهم، عوامل يؤسسون عليها ما يمكن أن تكون الخطوات التالية للعدو، فهو ما ليس في فكر أحدٍ من قيادات العمل الإسلاميّ، ولا قريب منه.
الأطروحة الأولي: الفهم الظاهري والمواجهة الفورية: