إن عملية التعامل مع النظم الداخلية المرتدة، ومع الحاضنة الشعبية"المسلمة"هي عملية هدم وبناء، سلب وإيجاب، تمامًا كالنفي والإثبات في"لا إله إلا الله".
هدم للنظم القائمة على الأرض، وهدم للعقائد الخربة في النفوس، ثم هي عملية بناء نظمٍ بديلة على الأرض، تقيمها نفوس مستنيرة واعية بمعنى الإسلام ومقاصده وأهدافه، بعد تجدد فهمها للإسلام وانبعاث أملها في عدله وكمال شرعه.
والمجاهدون لن يتمكنوا، مهما كثر عددهم، أن يراقبوا كلّ وزارة أو ديوان أو محل عمل. وهم لن يقوموا بدور البوليس العقدي في كلّ حين، كما يحدث اليوم من مهازل إصدار"صكوك التوبة"في الدير! والله إنّ هذا نهج آباء الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى الأوروبية المظلمة، يتبناه من يدعى السير على هدي محمد صلى الله عليه سلم. التوبة ليس لها صكوك، والتحلى بالإسلام لا يمكن أن يُفرض على شعب كامل، أو غالبه.
الخيارات المطروحة للتعامل مع قوى الخارج:
الكلام"ببلاش"كما يقول المثل المصري العاميّ. ومن ثمّ فإنا نسمع ترديد العوام،، لكلام مثل أنّ المجاهدين سيغزون اشنطن ونيويورك ولندن، وكيف سيركع أوباما أمام"الخليفة"، وكيف سيأتون برأس الملوك والسلاطين .. الخ، مما يملأ مواقع التواصل الاجتماعيّ، خاصة من تبخّرت عقولهم من حديث الخلافة والدولة، تلك الفقاعات الصابونية والزوابع الفنجانية، التي رأيناها مؤخرًا في العراق والشام.
وهذا التبسيط للواقع العالمي، ومعطياته وأبعاده، والتهوين من قدر العدو المترصد، وقَصْرِ النظر على البيئة المحيطة، يؤدى بطريق اللزوم إلى سياسات تقوم على المجازفات.
والحقيقة أنّ عدم تقدير قوة العدو الحقيقية، دون تهويل أو تهوين، هي الكارثة الأكبر في مسار أية محاولة لإقامة دولة إسلامية في محيط الكفر العام الذي يعيش فيه المسلمون.
إن الخطر الأكبر على تحقيق هذا الهدف هو ذلك الخيال الواهم الذي يعيشه الأكثر من أبناء الإسلام، المحبين لله ورسوله، والقادرين على المجالدة والصراع، وَهْمُ أننا لا نزال نحيا في القرن السابع الهجريّ، بوسائله ومعادلاته وطرق حربه وسلمه. هذه هي القاصمة. فأنت تسمع، ليس عواما فقط، بل قيادات بزعمهم، يتحدثون عما تحكيه كتب التاريخ من مواقف الصحابة أو قادة المسلمين في عز علو الإسلام، ويتصورون أنّ هذا الأمر ممكنًا، اليوم، أن يتحقق. ووالله ليس هناك لنا أمل أعزّ من هذا، لكن العقل والعادة والواقع يأبون إلا أن تسير الأمور حسب سنن الله في علو القوم وهبوطهم، ومن ثم سطوتهم وعزتهم. فهؤلاء كانوا في عزة ونحن اليوم في ذلة. هؤلاء صَفَتْ لهم السنة، ونحن قد عُجِنت عقيدتنا بالبدعة، أو غالبنا.
وقد كان من تأثير هذا الانحطاط والتردي، والسيطرة الغربية على عالمنا الإسلاميّ، أن فزع المخلصون من الشباب للتاريخ، للماضي، يحيون فيه، من حيث أنه أسهل عليهم من التعامل مع الواقع من ناحية، وأحيا للكرامة وأحفظ لعزة النفس من ناحية أخرى، فتسموا بأسماء السلف وكنياتهم، ومظهرهم وملبسهم، من باب غريزة حب البقاء، التي تجعل هذه الأفعال، فيما يرون، تضمن استمرار بقائهم، وحفظ وجودهم.