6.أنّ الواجب إعداد موضوع"الدولة"قبل إعلانها، و"تمكين"أميرها قبل تنصيبه. وهو ما ناقشناه في أبواب التمكين وأهل الحلّ والعقد.
من هنا فإننا نرى أنّ الخيارات التي أمام المسلمين، للتعامل مع الداخل والخارج محدودة بحدود قوتهم، ومهارتهم، وتقواهم لله، ومراعاتهم لسننه الشرعية والكونية.
الخيار المطروح للتعامل مع أنظمة الداخل المرتدة:
وتتحدد معالم تلك الخيارات حسب درجة نضوج الحركة الجهادية داخل تلك البلاد فمثلًا في سوريا والعراق أو أفغانستان، حيث تطورت الحركة الجهادية إلى تحقيق معادلة حقيقية على الأرض، غيرها في مصر أو الأردن أو الجزائر، حيث الحركة الجهادية تكاد تكون معدومة، أو مطحونة بالنظام طحنًا كاملًا.
وفي كافة الأحوال، فإن التعامل مع النظام يختلف في طبيعته عن التعامل مع الشعب المسلم. ففي الحالة الأولى، يجب على الحركات الجهادية أن تفرّق بين أبناء الشعب المسلم، وبين العدو المقاتل من جنود النظام ومناصريه. أمّا عن حق الشعب المسلم عليهم فهو أن تكون هجماتهم على النظام نوعية على الدوام، لا يتأذى بها مسلم، إذ ليس في الإسلام ما يسمونه"إصابات عارضة" [1] ، إلا في حالات خاصة جدًا ناقشها العلماء، وفيها اختلاف، كرمي الترس، وهي ليست من المناطات التي نتحدث عنها. كذلك يجب أن تكون تحركاتهم واضحة الهدف، صحيحة الوسيلة، تصدر بها بياناتٍ موضحة شارحة للعمل وما تحقق منه، بعد وقوعه، حتى لا يتخذه العدو وسيلة للتأثير على الجهلة من العوام، وما أكثرهم!
وما يجب أن يحذره المجاهدون هو تلك"الاستراتيجية العسكرية"، التي تتعامل مع الشعب كأغنام تساق إلى تطبيق الشريعة، حسب زعمهم. بل يجب أن تكون الرغبة متحققة في الحاضنة المسلمة، إذ بدونها يصبح جيش المجاهدين كأنه جيش غزو واحتلال، تحت أيّ اسم كان. وسرعان ما ينتفض الشعب على خانقيه، سواءً بحق أو بباطل، فيخرج على الإسلام، ويصبح هؤلاء مدعاة للردة من حيث أرادوا نشر الإسلام! إن نشر الإسلام وتطبيق الشريعة يجب أن يكون نابعًا من رضاء الأغلبية، كما رأينا في المدينة المنورة، تلك الحاضنة المسلمة التي أمّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا وقبل كلّ شئ، ثم انطلق بعدها للغزو والفتح. ولو كان الأمر على غير ذلك التصور، لرأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمّع مجموعات قتالية في مكة، ويحارب ويغتال المشركين، ثم يسيطر على أجزاء منها، ويقيم عليها"خلافة"!. هذا ليس منهج النبوة، ومن ثم فهو منهج فاشل دنيويًا وتطبيقيًا، إذ إن الباطل شرعا، فاشل وضعًا، ومن ابتغى التمكين بغير وسيلة السُّنة، ضاع منه الدين والدنيا جميعا، كما نرى اليوم في منهج الإخوان الساقط، وحركة الحرورية البغدادية.
إن اكتساب الحاضنة الشعبية، إلى جانب العمليات الجهادية، هو الطريق إلى بناء الدولة الإسلامية. فإن العدو الخارجي غاية قي القوة عدة وعتادا وتقنية. ومن غير أن يتبنى أبناء الشعب أيديولوجية التوحيد، ونصرة المجاهدين، فسيظل هؤلاء كأنهم"خارجون عن القانون"، لا يعينهم أبناء الشعب بسلاح أو مال أو سترة أو معلومة. ومن ثمّ، وجب"تجنيد"العامة بالدعوة، والشرح والبيان، دون أن يلزم من ذلك أن يحملوا سلاحًا، فالمجاهدون يقومون بهذا القدر، لكنه"تجنيد معنويّ"، ينشأ عنه التعاطف والولاء والإعانة والمساعدة بكلّ أشكالها.