المواقيت ولا يبيت بمزدلفة، ولا يطوف طواف الإفاضة، ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة من كرامات الأولياء، ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان به"ج 1. وهو قولٌ مُحكمٌ في المسألة."
15)أما عن التأويل فيقول رحمه الله"فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله لكل شيء قدرا"مجموع الفتاوى ج 3، كما يقول"وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدل فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وهذا في الصحيحين. وفيها أيضا من حديث الإفك أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة: أنك منافق تجادل عن المنافقين، واختصم الفريقان، فأصلح النبي بينهم. فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم إنك منافق، ولم يكفر النبي لا هذا ولا هذا بل شهد للجميع بالجنة"مجموع الفتاوى ج 3. فها هو ينكر تكفير المتأول، الذي جزم الحازميّ بكفره.
16)ثم يقول بن تيمية رحمه الله، وهو قولٌ فصلٌ ندعو القارئ الحصيف أن يتأمله جيدًا، إذ يمسّ عين المسألة التي أُتي منها الشيخ الحازميّ هداه الله، وهي الإطلاقات والتعميمات، دون النظر إلى التخصيصات والمقيدات، أو الأحوال والمناطات. قال بن تيمية"فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين:"أحدهما"أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول وأن خلاف ذلك كفر على الإطلاق فنفي الصفات كفر والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة أو أنه على العرش أو أن القرآن كلامه أو أنه كلم موسى أو أنه اتخذ إبراهيم خليلا كفر وكذلك ما كان في معنى ذلك وهذا معنى كلام أئمة السنة وأهل الحديث. و"الأصل الثاني"أن التكفير العام - كالوعيد العام - يجب القول بإطلاقه وعمومه. وأما الحكم على المعين بأنه كافر أو مشهود له بالنار: فهذا يقف على الدليل المعين فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه". وهو كلامٌ يُحفر في مآقي العيون، إذ يشير فيه بوضوح إلى منشأ الخلل عند الكثير من الفضلاء ممن تجاوزا إلى الغلو. فالتكفير العام كالوعيد العام، يجب إعتبار شروطه وانتفاء موانعه، وهو يتحدث في أمور العقيدة هنا حتى لا يموّه أحد أنّ ذلك في مجارى الأحكام! وهذا الكلام يتسق مع مذهب بن تيمية رحمه الله. ونحن نحمله هنا على العاذر في هذه المسألة، أو على من تلبس بهيئة شركٍ لم نتحقق من مناطه.
17)ويقول الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، في كلام واضحٍ مُحكم"وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفّر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفّر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر الينا؟ أو لم يكفر ويقاتل (سبحانك هذا بهتان عظيم) النور 16" [1] . أفبعد هذا البيان بيان؟ أنحتاج إلى الإطناب في سرد الأدلة بعد ما ذكر شيخ الإسلام في هذا الموضع. وشيخ الإسلام يتحدث هنا عن الفاعل للشرك، فكيف بمن عذره؟ نعم والله، هذا بهتانٌ عظيم. ولو طردنا مذهب الحازميّ لكفرنا شيخيّ الإسلام بن تيمية وبن عبد الوهاب! ولعله يقول بذلك.
18)قد احترز الشيخ الحازميّ من مثل هذا القول الذي هو لازم مذهبه، فكرّر، عشرات المرات، أنه يجب الاعتصام بالكتاب والسنة، وأنه لا يجب أن يبالي أحدٌ بقول غيرهما، ومثل هذا مما أطلقه كثير ممن قال ببدع شنيعة من قبل، وإن كنا لا نخفض الحازميّ لمصاف المبتدعة، إلى ساعتنا هذه، إلا أن يبيّن ويرجع إلى الانصاف. وهو كلامٌ يخيلُ على الأتباع ممن
(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية ج 1 ص 104