وهذا قول بن تيمية. قال رحمه الله"وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وجماهير أئمة الإسلام" [1]
وقال"والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، و إما مخطيء ضال، و أما بالمعنى الذي نفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم-: فهو أيضًا مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضًا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها" [2] . ومربط الفرس في قوله"إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها".
11)نودّ أن نذكر القارئ الكريم أنّه لا خلاف في الأصل الذي يقوم عليه دين الحنيفية مما نتحاور فيه، فقد قال تعالى"إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ"آل عمران 19، وقال"وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينً?ا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ"آل عمران 85. ودين الإسلام يقوم على التوحيد، ربوبية وألوهية، لا يعنى أحدهما عن الآخر. وأن الأنبياء قد جاءوا بتوحيد العبادة، وأنّ"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ? وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ"الأنفال 39. وأنّ كلمة التوحيد هي عنوانه لا حقيقته، إثباتًا ونفيًا، وهي حقيقة الإيمان بالله والكفر بالطاغةت. وأنه على من جاء بها أن يعرفها حق المعرفة، ويصدّق بها ويلتزمها ظاهرًا وباطنا، التزام طاعة وقبول. وأن توحيد الطاعة يكون بالتزام التحاكم له تشريعًا،"أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا"الأنعام 144،"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُو?لَائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"المائدة 44، وولاءً"قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّ?ا"الأنعام 14،"وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ"المائدة 51، ونسكًا وشعائرًا لا تُصرف إلا له سبحانه"لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ"الرعد 14،"وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا? مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ"الأحقاف 5.
12)والمسألة التي نحن بصددها هي بشأن عارضً من عوارض الأهليه [3] التي تُلمّ بالمسلم، فتغير من الحكم المماثل في العادة، وهو عارض الجهل. والحق أنّ النزاع هنا يختصّ بحكم العاذر في عارض الجهل.
13)نقلنا من قبل قول بن تيمية"والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطيء ضال، و أما بالمعنى الذي نفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم-: فهو أيضًا مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضًا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها" [4] . ومربط الفرس في قوله"إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها". وهو عين ما ذكره في موضع آخر عند حديثه عن جماعة الشيخ يونس وهو من العامة الذين يجهلون حقيقة قولهم.
14)ويؤكد بن تيمية هذا المذهب فيقول في الجزء الأول من الفتاوى"وأما الداخلون في الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول، بل دعوا الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم، فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضى الشيطان. ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل، يحمل أحدهم فيوقف بعرفات مع الحجاج من غير أن يحرم إذا حاذى"
(1) مجموع الفتاوى 23/ 346
(2) مجموع الفتاوي 1/ 112
(3) "الجواب المفيد ي حكم جاهل التوحيد"، ص 16
(4) مجموع الفتاوي 1/ 112