فهرس الكتاب

الصفحة 663 من 721

منها وصالحوها، لكنهم رأوها تتمدد حتى حدودهم الجنوبية، وتحيط بهم من كلّ صوب. فلم يعد إمكانية إلا أن يتعاملوا مع عدو مشترك، وهم بعض منتسبي السنة.

وقد يقول قائل، فلمَ لا نعتبر هذا التعاون إذن من قبيل قدر الله، مصالح متقاطعة؟ كلانا يريد الإجهاز على الرافضة، فنتعاون، ثم ننفصل! قلنا، هذا نوع من الخيال العلميّ، وكأن هؤلاء الحكام لا مخابرات لديهم، ولا يعرفون توجهات من يتعاملون معهم حقيقة، بل هم من يختار من يتعامل معهم، بل ومع معرفتهم بمن يرضون التعامل معه، فهم يخذلونه في بعض أحيان، كما حدث الأسبوع الماضي مع زهران علوش في الأردن. ولا أشك في أن الخليج سيلقى بعلوش جانبًا إن انحرف يومًا ورأي زيفهم وأفصح عنه علانية! ومن هنا تجد إنهم لا يمكن أن يستقبلوا أبا محمد الجولاني مثلًا، أو أبا مارية القحطاني في بلادهم، ولا بأي تأويل أو تنظير. فالمرونة، وتبنّى الوسطية الزائفة، التي تستبدل كفرًا بإسلام، وإسلاما بكفر، في التعامل، ليست وسطية، بل هي خراج جهل وهوى. فالوسطية هي وسط بين باطلين، وليست وقوف في نقطة الوسط بين حق وباطل! وقد كرّرنا هذا المعنى مراتٍ عديدة من قبل.

خلاصة الأمر إذن هي إنّ:

1.المرونة في الشريعة لا تكون إلا بمفهوم التيسير بين اختيارين، كلاهما مشروع.

2.الدليل الشرعيّ يجب أن يُنظر له من باب الحاجة اليه، لا من باب الاستظهار وتقوية دليل الهوى به.

3.فهم الأحداث التاريخية يجب أن يكون وفق ما تمهّد في قواعد الشريعة، لا وفق ما يناسب هوى الناظر فيه، يحمله على معانٍ ليستدل به على مراده، فالتاريخ مصدر من مصادر التشريع بدرجة ما، من حيث فعل الصحابة والقرون الثلاثة الفضلى.

4.الناظر في هذا الأمر، سواءً أمر الدليل أو الواقع، يجب أن يكون ممن هم من أصحاب الأهلية في النظر، فالأمر ليس متعلقًا بفرد، بل هو أمر أمة تسقط، وأنفسٍ تزهق، فليتق الله ربه، وليعلم أين هو من مقام الإفتاء.

5.أوراق السياسة اليوم، لا يزال بعضها في يد ممثلي أمة الإسلام، فعليهم أن يتحركوا بها، دون أن يخترقوا حاجز الشرع بإعراض أو تأويل فاسد، فإن المصلحة لا يحددها عقل الناظر ثم يحمل عليها الدليل، بل يحددها الدليل أولًا، ثم يجد الناظر الوسيلة لتحقيقها.

6.التعامل مع أنظمة ثبت معاندتها للشرع، ومحاربتها لأهله، وقتلها لأوليائه، وإعانة أعدائه عليه، هو أمر لا يمكن أن ينتج عنه خير أصلًا، والمغامرة به خديعة، يظهر إن المسلمين لن يستوعبوها مهما تكررت عليهم مراتٍ تلو مرات.

7.التعاون، وملحقٌ به ما يسمى بتلقى"الدعم"، لا يأتي بلا ثمن، أو حتى بثمن بخسٍ، لكن قدر الله قد يوقع زمنًا يكون فيه الاستفادة من شكلٍ من أشكال ذاك التعاون تحت حدّ الشرع. والحرص في تعيين هذا الزمن، وتحديد تلك الحالة هو على أعلى درجات الأهمية، ولا يجب أن يُترك لقائد عسكريّ.

8.إن وجود حلّ ومخرج للأزمة التاريخية التي فيها المسلمون اليوم، لا يجب أن يدفع ممثلوا الأمة أن يبيعوا جزءًا من تصورهم، أو يساوموا عليه، مهما بلغت التضحيات. ذلك هو الفرق الأدق بين التوجه السنيّ والتوجه"المعتدل"،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت