والمآخذ على هذا هذا الميثاق كثيرة متعددة، نتتبعها إن شاء فيما يأتي.
أولها، وأهمها، أنّ كلمة"الجهاد"لم تُذكر مرة واحدة في طول الميثاق وعرضه، وهو إسقاط للجهاد برمته، وبإعتباره أمرًا لا دخل"للثورة"أو"للمقاومة المسلحة"به!. وفي هذا ما فيه من ضياع التصور وفقد التوجه وانحراف البوصلة بالكلية.
أما عن البند الأول، فهو والله ديكور يذكرنا بالمادة الثانية من الدستور المصريّ، وشماعة علق عليها كافة الإتجاهات"الإسلامية"مسايرتهم للكفر والزور المصاحب لها في الدستور!
وقد غرّد كبير الشرعيين في الجبهة"الإسلامية"قائلًا"إن نص الميثاق لم يشتمل على أية ألفاظ قطعية الدلالة على معان تخالف الشرع مع كونه يحتوي بعض الألفاظ التي يتنازعها العرف"!. ليس هكذا تورد الإبل يا أبا عبد الملك. لقد استقر العرف بالنسبة لهذه الكلمات منذ عقود إن لم تكن تدرى، فلم يعد تنازع في شئ! أترى التنازع في هذه المصطلحات في ثورة تونس وقاموس الغنوشيّ؟ أم تراه في ثورة مصر ودستور الإخوان؟ هذا ليس من الشرع في شئ، أن نتمحك بقطعية الدلالة في الألفاظ، لنوهم بظنيتها. هذا والله تحايل لا يختلف عليه عاقلان، بل شرعيان! وماذا عن مقاصد الشرع التي ضرب بها الميثاق عرض الحائط، متأولا بمصالح متوهمة، ودلالات لفظية مطاطة؟
أمّا عن البند الثانيّ، فإن الغرض ليس هو إسقاط النظام فحسب، إذ هذا فقط هو الجانب السلبي منه، فأين الجانب الإيجابيّ، وهو إقامة مجتمعٍ إسلاميّ يحكم بشرع الله، وبشرع الله وحده؟ ليس في ميثاق المُقرِفين أية إشارة إلى ذلك. بل العكس من ذلك، فإن المُقرفين قد ذكروا صراحة في البند السابع أن غرضهم هو"إقامة دولة العدل والقانون والحرية"! لا دولة الإسلام والشريعة. وهو ذات المنطلق الذي تعتمده الطوائف التي ذكرنا في الحديث عن نوع الدولة التي يقصدون إقامتها"حرية، عدل، مساواة، قانون، حقوق إنسان"، لا شريعة ولا حكم بما أنزل الله. ولئن سألت من يتحدث نيابة عنهم من"الشرعيين"لكرّر لك ما مللنا سماعه من أنّ"أليست تلك هي مبادئ الشريعة"نتّبعها؟ أو"تلك مصالح ومفاسد نعتبرها"، أو"نحن أعلم بما على الأرض"، أو"أنّ ليس هناك ما ينصّ على رفض الشريعة"، وكلّ هذا الهراء الممقوت، وكأننا نسمع للبرهامي الشاميّ! وكأننا لا نعتبر! وكأننا لا نعى دروس السنن الإلهية التي أسقطت الإخوان وأدالت دولتهم في شهور معدودة!، وهم إخوان"مسلمون"!
ثم، المُضحك أنّ الميثاق شبه العلمانيّ يدعى أنّ القصد هو أنّ ثورتهم تريد إقامة الدولة"بمعزل عن الضغوط والإملاءات"، وسبحان الله العظيم، والله إن الضغوط والإملاءات هي ما أخرج هذا العفن العلماني بادئا ذي بدء! فإننا نكاد نرى اليد السلولية الأمريكية تكتب، لا تملى، بنود هذا الميثاق.
ثم تلك الإشارات المتتالية للعنصرية السورية البغيضة، كما في البندين الخامس والسادس، إلى حدّ التصريح برفض مبدأ التعاون مع أيّ مهاجر على قتال"الكفر"النصيريّ، وهو ما يرفع قضية الوطنية فوق إعتبار الإسلامية، ويضع التصور الإسلاميّ في قضية الولاء كلّه في محل الرفض والإقصاء.
وفي مقابل رفض الولاء على دين الله، والتحريض ضد المهاجرين في سبيله للدفاع عن أرض الشام المسلمة، نرى اليد الحنون تمتد من أجل"تحقيق العدل والحرية والأمن للمجتمع السوري بنسيجه الاجتماعي المتنوع بكافة أطيافه العرقية والطائفية"! إذن، هو القتل والترويع والتهجير للمهاجرين المجاهدين، وهو العدل والحرية والأمن للنصيرية والنصاري وغيرهم من الطوائف غير المسلمة من أهل العرق السوريّ! ما شاء الله على دينكم وإسلامكم!
لا أثر، ولا من بعيد، لشرع الله وحكمه، بل علمانية شبه صريحة، وعنصرية قومية صريحة.