فهرس الكتاب

الصفحة 10060 من 15334

النقاد اعترضوا على حجج ريمون. وفي عام 1580 أدخل مونتيني في"الكتاب"الثاني من"مقالاته"فصلًا مائتي صفحة فيه"دفاع عن ريمون سبوند"عمد فيه إلى الرد على الاعتراضات. ولكنه لم يفعل هذا إلا بالتخلي على هدف ريمون، محتجًا بأن العقل أداة محدودة لا يوثق بها، وأنه خير لنا أن نرسي الدين على الأيمان بالكتب المقدسة وبالكنيسة الأم المقدسة؛ وهكذا هدم مونتيني ريمون في واقع الأمر حين يفهم منه ظاهريًا أنه يؤيده. وقد رأى بعضهم، مثل سانت بوف، أن هذا"الدفاع"ليس إلا حجة ساخرة لتأييد عدم الإيمان (63) . أيًا كان الأمر، فهو أشد ما كتبه مونتيني هدمًا، وربما كان أكمل عرض للشكوكية في الأدب الحديث.

ويؤكد لنا مونتيني، قبل لوك بزمن طويل، أن"المعرفة كلها توجه إلينا بواسطة الحواس (64) ". وأن العقل يعتمد على الحواس ولكن الحواس خداعة في تقاريرها محدودة جدًا في رقعتها، ومن ثم كان العقل لا يعتمد عليه."أن باطن الانسان وظاهره مملوءان ضعفًا وكذبًا" (65) . (وهنا، في بداية عصر العقل، وقيل بيكون وديكارت بجيل، يسأل مونتيني ذلك السؤال الذي لايقفان ليسألاه، والذي سيسأله بسكال بعد ثمانين عامًا، والذي لا يتصدى له الفلاسفة حتى مجيء هيوم وكانط، لم يجب أن نثق بالعقل؟) بل إن الغريزة مرشد أسلم من العقل. فأنظر كيف يحيا الحيوان بالغريزة حياة ناجحة- أحيانا على نحو أحكم من الانسان. هناك فرق بين بشر وبشر أكثر كثيرًا من الفرق بين البشر والحيوان (66) ". وليس الانسان مركزًا للحياة كما أن الأرض ليست مركزًا للكون. ومن التبجح أن يظن الانسان أن الله يشبهه، أو إن شئون البشر هي مركز اهتمام الله، أو أن العالم وجد ليخدم الإنسان. ومن السخف أن نظن أن في إستطاعة عقل الانسان أن يسير طبيعة الله."أيها الانسان الأحمق، يا من تعجز عن خلق دودة، ولكنك تريد أن تخلق أربابًا بالعشرات!" (67) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت