لقد أرهق نفسه كما أرهق غيره فقد كانت طاقته أقوى من بدنه· لقد ملأ في عشرين سنة أحداثًا تكفي لقرن لأنه كان يكثّف عمل الأسبوع ليجعله في يوم واحد· لقد كان يأتي إلى مكتبه في حوالي الساعة السابعة صباحًا، ويتوقع أن يكون سكرتيره مستعدًا للحضور في أي وقت· لقد كان يقول لبوريين:"تعالَ، دعنا نذهب للعمل". وقال لمينيفال:"كن هنا في الساعة الواحدة ليلًا أو الرابعة صباحًا، لنعمل معًا", وكان يحضر اجتماعات مجلس الدولة ثلاثة أيام أو أربعة كل الأسبوع، وقال للمستشار روديريه Roederer:"إنني - دائمًا - أعمل· إنني أعمل وأنا أتناول غدائي، وأنا في المسرح، بل إنني أقوم في منتصف الليل لأعمل"·
وقد نتصوّر أنه لم يكن يجد وقتًا للنوم في ظل هذه الأيام الممتلئة عملًا وإثارة، لكن هذا غير صحيح فبوريين يؤكد لنا:"أن الإمبراطور كان ينام جيدًا، ولمدة كافية - سبع ساعات أو ثمان ليلًا بالإضافة إلى إغفاءة بعد الظهر", وكان يفخر قائلًا للاكاس:"إنني أستطيع النوم في أي ساعة وفي أي مكان إذا دعت الحاجة", وقد وضَّح نابليون شارحًا أنه يحتفظ بأمور كثيرة مختلفة مرتبة في عقله أو ذاكرته كما لو كانت في أدراج خزانة
"فعندما أرغب في ترك موضوع أغلق الدُّرج الذي به هذا الموضوع لأفتح آخر به موضوع آخر··· وإذا أردت النوم أغلقت كل الأدراج عندها أنام حالًا"·
كان جوته Goethe يظن أن عقل نابليون هو أعظم عقل أنجبته البشرية · واتفق معه لورد أكتون Acton في ذلك الرأي· أما مينيقال Meneval الذي كان متأثرًا بقربه من السلطان والشهرة فقد نسب إلى سيده (نابليون) أرقى فكر مُنِحَهُ بشر على الإطلاق · أمّا تين Taine المعارض الشديد للمبالغين في الإعجاب بنابليون، والذي لا يكل ولا يمل من شجب موقفهم، فإنه رغم هذا يُبدي دهشة شديدة من قدرة الإمبراطور على العمل الفعلي المكثف لفترة طويلة:
"ليس هناك أبدًا عقل كعقله من حيث التنظيم والانضباط دعونا نوافق على أن عقل نابليون كان من بين عقول كل من تبوّأ منصبًا تنفيذيًا هو العقل الأكثر إدراكًا ووعيًا وحدّة وقدرة على التذكر وبراعة في استخدام المنطق"·