حيوان إلى أوردة حيوان آخر. وقد سجل بيبيس هذا في يوميته (85) . ويستفاد من جريدة القيل والقال تلك أن الجراحات كانت تجري عادة بمخدر ضعيف أو دون مخدر، فلما أجريت لبيبيس جراحة لإزالة حصاة في مثانته لم يعط كلوروفورما ولا مطهرات، واكتفى بإعطائه"جرعة مهدئة (86) ".
واستمر الناس يهجون الطبيب كما يهجونه في كل جيل. فقد ساءهم منه أتعابه، وفخامة مظهره في عباءته وشعره المستعار وقبعته المخروطية، وغرور حديثه، وأخطاؤه القتالة أحيانًا. وروى بويل أن كثيرين كانوا يخشون الطبيب أكثر مما يخشون المرض (87) . وكانت سخريات موليير بالمهنة العظيمة في أكثرها مزاحًا لطيفًا من رجل كان حريصًا رغم ذلك على الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع طبيبه. وبقى-بعد أن رشقت السهام كلها-أن القرن السابع عشر شهد تقدمًا مشكورًا في علم الطب بفضل عشرات الكشوف في التشريح، والفسيولوجيا، والكيمياء، وأن التبادل الدولي للمعرفة الطبية كان في ازدياد، وأن كبار الأساتذة كانوا يبعثون تلاميذهم الأكفاء إلى جميع أرجاء أوربا الغربية، وأن الجراحة كانت تحسن طرقها وترفع مكانتها، وأن الأخصائيين كانوا يزدادون معرفة ومهارة، وأن مزيدًاُ من التدابير كان يتخذ للنهوض بالصحة العامة. وشرعت الحكومات البلدية القوانين التي تكفل النظافة الصحية. وفي 1656، حين ظهر الطاعون في روما، حتم المونسنيور جاستالدي، المأمور البابوي للصحة، تنظيف الشوارع والمجاري، وتفتيش السقايات بانتظام، وتوفير الإمكانات العامة لتطهير الملابس، وتقديم الشهادات الصحية من جميع الأشخاص الذين يدخلون المدينة (88) ، وبازدياد الثروة بنى الناس بيوتًا أمتن تستطيع أن تبعد الفئران إلى مسافة محترمة فتقلل من انتشار الطاعون. وقد يسرت إمدادات أفضل من المياه-وهي أول ضرورات الحضارة-النظافة للأجسام الراغبة فيها. وأخذ التحضر يصبح-بدنيًا-في متناول مزيد من الناس.
كان القرن السابع عشر في جملته إحدى القمم في تاريخ العلم.