أزلية، وأن الخلق من الهدم (تعلم هذا عن الفلاسفة السكولاسيين) أمر لا يمكن تصوره، وأن أزلية الكون فكرة ليست أصعب تقبلًا من أزلية الإله، والحق أن فرضية وجود إله ليست ضرورية على أية حال، حيث أن العالم آلة تندفع وتستمر بذاتها. ويجادل سيرانو في أنه لا دب أن يكون هناك إله لأنه رأى بعيني رأسه علاجات خارقة معجزة، فيسخر الشيطان من هذا كله باعتباره ضربًا من الإيحاء أو التخيل، ويثأر أثيوبي قوي جبار للعقيدة القويمة، حيث يمسك بسيرانو بإحدى يديه، وبالشيطان باليد الأخرى، ويلقي بالشيطان في الجحيم، وفي الطريق يقذف بسيرانو في إيطاليا، حيث تنبح كل الكلاب من حوله حين اشتمت منه رائحة القمر. وكذلك انجذب انتباه جوناتان سويفت.
في مقابل افنتاج الموصوم بالكفر والمروق عند جاسندي وديكارت، وجد الإيمان سندًا قويًا، لا في باسكال وبوسيوييه وفنيلون فحسب، بل في واحد من أدق وأبرع الميتافيزيقيين في العصور الحديثة كذلك.
كاد نيقولا مالبرانش أن يكون معاصرًا للويس الرابع تمامًا، فقد ولد قبله بشهر، ومات بعده بشهر. ولم يكن ثمة شبه بينهما إلا هذا. وكان نيقولا وديع النفس طاهر الذيل، ومذ كان أبوه سكرتير لويس الثالث عشر، وعمه نائب الملك في كندا، فقد اجتمع له كرم المحتد وحسن التنشئة، اللهم إلا صحته، فقد كان جسمه ضعيفًا مشوهًا. وليس ثمة ما يفسر أنه عمر حتى السابعة والسبعين إلا التزامه بساطة العيش وهدوء الحياة في الدير. وفي الثانية والعشرين من عمره انضم إلى"جماعة المصلى"وهي طائفة دينية تفرغت للتأمل والوعظ، ورسم قسيسًا في السادسة والعشرين.
وفي العام نفسه وقع على كتاب ديكارت"رسالة عن الإنسان"، وابتهج رطيقة المناقشة والأسلوب معًا، وأصبح ديكارتيًا ذا إيمان راسخ بالعقل. وعقد العزم لفوره على أن يبرهن بالعقل على المذهب الكاثوليكي الذي نبتت فيه جذور حياته ووضع فيه كل آماله، وكانت هذه خطوة جريئة، ارتدادًا من بسكال إلى توما الأكويني. وهي خطوة كشفت عن الثقة العميقة في الشباب، ولكنها عرضت حصون