الباب العشرون
الفصل الأول
كانت الآداب في أثناء هذا الاضطراب كله ينعكس عليها ما انتاب بلاد اليونان من اضمحلال في الأخلاق وضعف في صفات الرجولة. فلم يكن الشعر كما كان من قبل تعبيرًا عاطفيًا إبداعيًا يبتكره الأفراد، بل أصبح تدريبًا ظريفًا وثمرة من نتاج العقول في الندوات، وصدى للواجبات والتمارين المدرسية. نعم إن تموثيوس الملطي كتب ملحمة شعرية، ولكنها لم تكن توائم عصر الجدل والنقاش، وظلت بعيدة عن الشعب بُعد موسيقاه في عهدها الباكر؛ وظلت المسرحيات تُمثل ولكن تمثيلها كان أضعف وأضيق نطاقًا من ذي قبل. ذلك إن إقفار خزانة الدولة من المال وضعف الروح الوطنية عند الأثرياء من الأفراد قللا من أقدار الممثلين وأفقداهم ما كان لهم من شأن في ماضي الأيام. واكتفى كُتاب المسرحيات شيئًا فشيئًا بالمقطوعات الموسيقية التي تعزف بين الفصول ولا صلة لها بالمسرحية بدل الأغاني التي تكون جزءًا منها، واختفى اسم رئيس فرقة المرتلين فلم يعد مما يهتم به النظارة، ثم اختفى بعدئذ اسم الشاعر نفسه، ولم يبقَ إلا اسم الممثل. وبَعُدت المسرحية بالتدريج عن القصيدة وأضحت شيئًا فشيئًا عرضًا للحوادث التاريخية، وأصبح العصر كله عصر كبار الممثلين وصغار الكتاب المسرحيين. ذلك أن المأساة اليونانية قد قامت على الدين والأساطير،