وقد ركزت عند ترجمة هذا الكتاب على المعاني وأضفتُ بعض التعليقات البسيطة الشارحة، ففي التعليقات التي أوردتها عند ترجمة الكتابين السابقين ما لا داعي لتكراره هنا· ومن العدل والصدق أن أنوه هنا مرة أخرى، بفضل المجمع الثقافي، وعلى رأسه الأستاذ محمد السويدي باختيار هذه الكتب المفيدة لتقديمها إلى القارئ العربي·
وعلى اللَه قصد السبيل·
د· عبد الرحمن عبد الله الشيخ
الفصل الخامس عشر
كانت إنجلترا، حكومةً وشعبًا، بانتشار صناعتها واتساع تجارتها وبأسطولها Navy وعلى رأسه ونيلسون Nelson، وبعقلها وإرادتها - كانت على رأس المعارضين للثورة الفرنسية بعد سنة 1792· كانت على رأس المقاومة ضد نابليون في الوقت الذي تهاوى فيه أعداء الثورة الآخرون نتيجة الهزائم المدمرة التي حاقت بهم أو نتيجة انهيار تحالفاتهم· لكن هذا الموقف الذي اتخذته إنجلترا لم يكن مفاجئًا كما لم تكن كل القوى فيها متفقة عليه منذ البداية، ففي بداية اندلاع الحريق الهائل (الثورة الفرنسية) كانت مواقف زعماء إنجلترا والرسميين فيها غير محددة، وظهر الانقسام بينهم، وتباينت المشاعر ما بين الخوف واستلهام أفكار الثورة، لقد تجاوب الشعراء والفلاسفة بحماس مع المثاليات الأولى للثورة، ومع حماسة جيوشها وشجاعتها، ولكنهم سرعان ما تأثروا ببلاغة بورك Burke الغاضبة،
وسرعان ما فُجِعُوا بأخبار المذابح والإرهاب في هذه اليوتوبيا Utopia ( فرنسا) ، ولأن هؤلاء المحرِّرين (يقصد الثوار الفرنسيين) أصبحوا غزاة ضموا نصف - طموحًا منهم - لفرنسا، فقد رأت إنجلترا أن توازن القوى في القارة الأوروبية يتوقف على نتيجة هذا الصراع بين فرنسا والقوى الأوروبية الأخرى، ذلك التوازن الذي ظلت إنجلترا - تلك الجزيرة الصغيرة - تعتمدُ عليه لضمان سلامتها وحريتها طوال قرون·