أما"الكليات"أو الأفكار العامة، فهي أدوات نافعة للفكر، ولكن ليس لها ترابط موضوعي. وليس من شك في أن الروح غير مادية، وخالدة، ولكنها تبدو معتمدة على الجسم وواضح أن الذاكرة من وظائف المخ، وليست اللذة الحسية لا أخلاقية إذا اتسمت باعتدال حازم. ولكن أقل الملذات تغريزًا وغدرًا هي ملذات الذهن، فإن الرياضيات مثلًا قد يطرب لها الإنسان ويبتهج بها. وكان جاسندي نفسه بطبيعة الحال"أبيقوريًا"، أي أنه ارتضى فلسفة أبيقور، ولكنه لم ينغمس في اللذة الحسية، بل على النقيض من ذلك، اتسمت حياته باعتدال بالغ. وانتابته الحمى بعد صوم طول أكثر مما ينبغي. وأجهز عليه أطباؤه بصفده ثلاث عشرة مرة (1955) .
وكان مولبيير وسيرانودي برجراك من بين مريديه في باريس. وارتضى فونتنل سانت أفرموند ونينون دي لنكلوس فلسفته دون لاهوته. وأفاد هوبز من أحاديثه معه. وربما أخذ بعض عناصر علم النفس الحسي، عن طريق تلميذ جاسندي وصديق لوك، فرانسوا برنييه الذي نشر"موجز فلسفة جاسندي"في 1678. وآثر نيوتن"ذرات"جاسندي على"جسيمات"ديكارت، ووجد عند كاهن بروفنسال تلميحًا إلى الجاذبية وفكرة غامضة عنها (77) . وفي القرن الثامن عشر هيأت المادية الكامنة في جاسندي وتوكيده على العلم والتجريب مقابل منطق أرسطو وميتافيزيقا ديكارت-نقل هيأ له هذا وتلك، بين الفلاسفة الفرنسيين، مكانة أرفع من مكانة أي مفكر فرنسي آخر، باستثناء ديكارت. إذن ما هذا الذي جعل من ديكارت لمدة قرن من الزمان معينًا لا ينضب للفلسفة الحديثة؟
أزول ما نذكره نع ديكارت أنه تلقى تعليمه على أيدي الجزويت. وكان هذا التعليم نقطة البداية وجحر الشحذ عند كل الهراطقة الفرنسيين، ابتداء