الفصل الرّابع
إن الجو نفسه في هذا الإقليم يختلف عنه في الإقليم السابق- فهو هنا نظيف، بارد، مضيء؛ وكل سنة هنا تحتوي على ثلاثمائة يوم ذات شمس ساطعة. وإذا قدم الإنسان إليه تذكر من فوره وصف شيشرون"هواء أثينة الصافي الذي يقال إنه كان له أكبر الأثر في حدة عقول أهل أتكا". ويسقط المطر في أتكا في الخريف والشتاء، وقلما يسقط في الصيف والضباب نادر فيها، ويسقط الثلج في أثينة مرة واحدة في العام تقريبًا، ويسقط أربع مرات أو خمسًا كل عام على قمم الجبال المحيطة بها. والصيف هنا حار ولكنه جاف يطاق؛ وكانت الأراضي المنخفضة في الزمن القديم ذات مناقع تنتشر فيها الملاريا فتقلل من ملائمة الهواء للصحة. وتربة أتكا فقيرة، والصخور الصلبة قريبة من سطح الأرض في كل مكان تقريبًا، وهذا القرب يجعل الزراعة كفاحًا شاقًا للحصول على أبسط ضرورات الحياة [1] ؛ ولولا التجارة التي تتطلب كثيرًا من المغامرة، وزراعة الزيتون والكرم التي تتطلب كثيرًا من الصبر، لما أمكن قيام الحضارة في أتكا.
وأكثر ما يدهش له الإنسان أن تقوم مدن كثيرة في هذه الشبه الجزيرة القاحلة؛ فهي تطالع الإنسان في كل مرفأ على الساحل، وفي كل وادٍ
(1) يقول توكيديدس إن"أتكا نجت لفقر تربتها منذ أقدم الأزمان من الانقسامات الداخلية (؟) والغزو الأجنبي".