الفصل الثاني
التصوير في العادة آخر فن عظيم ينضج في الحضارة؛ فهو في المراحل الأولى من مراحل الثقافة يخضع للعمارة الدينية ولعمل التماثيل الدينية، ولا يصبح فنًا مستقلًا إلا حين تدعوه الحياة الخاصة والثروة الخاصة إلى زخرفة المنازل أو لتخليد ذكرى اسم من الأسماء. ولما أن أضعفت موت الديمقراطية من معنى الدولة في عقول الناس، عاد الفرد إلى طلب السلوى في منزله، فشاد الأغنياء قصورًا يسكنون فيها، وأدوا أجورًا عالية للفنانين الذين يستطيعون أن يزينوا فسقية أو يجملوا جدارًا. فكانت الإسكندرية تتخذ التصوير على الزجاج وسيلة من الوسائل التي تزين بها الجدران؛ وكانت جميع المدن الهلنستية تستخدم لهذا الغرض إطارات متحركة من الخشب؛ وكان الأمراء والكبراء يفضلون عن هذه الإطارات الصور الضخمة المرسومة على ألواح من الرخام يمكن فصلها ووضعها في أي مكان شاءوا. ويصف بوسنياس عددًا لا يُحصى من الصور التي رآه في تجوالهِ ببلاد اليونان، ولكن الدهر لم يبقِ منها إلا على رسوم حائلة من الخشب أو الحجارة، ولهذا لا نجد سبيلًا لمعرفة حقيقة هذه الصور إلا الحدس والتخمين والاعتماد على الصور الحائلة المتوسطة القدر المنقولة عنها والتي عُثر عليها في بمبياي، وهركولانيم Hercolaneum ورومة.
وظلت بلاد اليونان تضع مصوريها في المستوى العالي الذي تضع فيهِ مثاليها ومهندسيها، بل لعلها كانت تضع الأولين في مستوى أعلى من مستوى الآخرين. وكانت تؤدي إليهم من الأجور مثل ما يؤديه الأمريكيون للمصورين في هذه الأيام، وتروي عن حياتهم قصصًا تدل على حبها وتكريمها لهم. ومنها أن ثسكليز الإفسوسي، حين لم ينل من الملكة استرتنيس Stratonice ما كان يرجو من