كيف يستطيع أن يفرض الوحدة بين هذه الدوائر الإضافية البالغ عددها أربعة وأربعين ودوائر فرنسا البالغ عددها ستًا وثمانون؟ أو كيف يستطيع أن يوحّد قسرًا ستة عشر مليونًا من الأقوياء المعتزين بأنفسهم مع ستة وعشرين مليونا من الفرنسيين المتقلبين والمعتزين بأنفسهم أيضًا؟ ربما كان أمرًا رائعًا أن يحاول ذلك لكن كان لابد أن يحالفه الفشل في هذه المحاولة· وفي خاتمة المطاف أطاح الخيال بالعقل· لقد تفرّق شمل هذا الكيان غير المستقر، وهزمت القوة الراسخة للشخصية الوطنية إرادة الدكتاتور الكبير·
وعندما طوي الخيال جناحيه، أصبح نابليون قادرًا على استخدام عقله على نحو ما يفعل أفضل العلماء وأكثرهم مقدرة في المعهد العلمي الفرنسي، ومعهد دراسة مصر· ورغم أنه لم يستنبط نظامًا محددًا من الفكر يتحتم سجن الكون داخله بحيث لا تفلت منه شاردة ولا واردة، إلاّ أن عقله الواقعي قد أظهر القصورَ في أعمال المفكرين الذين يسيئون استخدام الأفكار ويبنون قلاعًا في الهواء لا أساس لها من البيولوجيا biology ( علوم الأحياء) أو التاريخ· فبعد أن جرَّب (أي نابليون) لابلاس وغيره من العلماء في المناصب الإدارية، خلص إلى"أنك لا تستطيع أن تنجر أي عمل مع فيلسوف"وعلى أية حال فإنه شجع العلوم وأوصى بدراسة التاريخ فمن أقواله لابد أن يدرس ابني كثيرا من علم التاريخ وأن يستغرق في تأمله،"فالتاريخ هو الفلسفة الوحيدة الحقيقية"·
وكان الدين واحدًا من المجالات التي روّج لها المفكرون بدلًا من ترسيخ أنفسهم في مجال التاريخ· وقد شعر نابليون أن عالم المنطق وحده هو الذي يمكن أن يقلق طويلًا أمام هذا السؤال: هل الله موجود؟ أما الفيلسوف الحقيقي الذي تعلم في مدرسة التاريخ فيجب أن يسأل لماذا يظل الدين حيًا دائمًا ويلعب دورًا مهمًا في كل حضارة، رغم أنه - أي الدين - كان في أغلب الحالات تنقصه الحجة ويدعو للسخرية؟ لماذا قال فولتير الفيلسوف المتشكك إن الله لو لم يكن موجودًا لكان من الضروري أن نخترعه أو بتعبير آخر نتخيل وجوده؟ ·