تُظهر الصورة الاقتصادية لبريطانيا في سنة 1800 أنه يوجد في القمة - كانت الأرستقراطية لا تزال موجودة وإن كانت في تناقص - سادة الاقتصاد الذين تسوّدوا خلال ملكيتهم للأراضي، وكان يتعاون معهم نبلاء البرلمان والأرستقراطية المهيمنة (الحاكمة) ، وحولهم أو أدنى منهم التجار والصناع البورجوازيون أصحاب المشاريع الذين لا يرحمون، وهم يُظهرون ثراءهم الجديد ومسلكهم السيئ، ويصخبون مطالبين بمزيد من السلطة السياسية، وإلى الأدنى منهم أصحاب المهن المحترمة بدءًا من أكثر الأطباء علمًا إلى أكثر الصحفيين شجاعة ودهاء، وإلى الأدنى من هؤلاء جميعًا الفلاحون الذين يفقدون ملكياتهم بشكل متزايد منتظرين العون والنجدة، وعمال المناجم الذين لا يرون الشمس والذين يعيشون في أحشاء الأرض، والعمال غير المهرة الذين يعبدون الطرق ويحفرون الترع وعمال المصانع الذين يشكلون بركة أو مجمعًا للجوع وعدم الانضباط وانهيار المعنويات، والذين راحوا يكتبون مأساتهم على صفحات سماوات ملوثة (لوثها دخان المصانع) ·
وإذا كان لنا أن نعيد النظر في أحوال عمال المصانع في بريطانيا في سنة 1800 وجب علينا ألا نبالغ في أهميتهم في نطاق الصورة العامة في ذلك الوقت، إذ يمكن أن نفترض وجود كثير من المشاهد الباعثة على السرور في إنجلترا السعيدة Merrie England· فلم يكن العمل في المصانع في حد ذاته في ذلك الوقت هو المَعْلم الرئيسي للصناعة البريطانية، فقد كان معظم الإنتاج الصناعي لا يزال يجري إنجازه في البيوت في الريف والحضر على أنوال أو مخارط، أو على يد حرفيين في محلات (دكاكين) مستقلة· وكان التصنيع من خلال نظام المصانع مقتصرًا على عمليات إعداد القطن والكتان والصوف، ورغم محدودية هذا النظام، فإن دوره في بانوراما العصر panorama ( المشهد العام للعصر) كان واحدًا من أشد الأدوار مدعاة للحزن في التاريخ الإنجليزي·