فهرس الكتاب

الصفحة 15321 من 15334

وشيئًا فشيئًا أصبحت الأمة الإنجليزية على قلب رجلٍ واحد، فرغم استسلام حلفائها، فإن التحدي الأكبر الذي لم تشهده إنجلترا منذ سنة 1066 متمثلًا في تعويق تجارتها وإفلاس شركاتها ومالييها واستنزاف صانعي الأقمشة، والإغراء اليومي بقبول شروط هذا الكورسيكي Corsican العبقري المرعب (نابليون) الذي يمتطي الآن القارة الأوروبية ويهدد بعبور القنال الإنجليزي بنصف مليون مقاتل لم يعرفوا الهزيمة - كل هذا جعل الملك الإنجليزي وبرلمانه يقفان بحزم، وجعل النبلاء والتجار يدفعون الضرائب الباهظة وجعل الإنجليزي العادي يؤدي خدمته الإلزامية في الجيش أو الأسطول، وجعل البحار الإنجليزي الذي لا مثيل له يجتاز مرحلة التمرد إلى مرحلة تحقيق الانتصارات، وجعل هذه البقعة الصغيرة الحبيبة (إنجلترا) تنطلق خارجة من العوز والمجاعة التي كادت تحيق بها في سنة 1810/ 1811 لتبني خلال نصف قرن أكثر الإمبراطوريات قوة وتحضرا منذ سقوط روما·

لابد لنا أن نتوقف هنيهة عن متابعة هذه الدراما وهذا الصراع لندرس الأمور التي جعلت انتصار إنجلترا ممكنا - هذا الانتصار الذي يعد تحولا· لابد من التوقف لدراسة موارد التربة والعمل والعلم والأدب والفن والعقل والعقيدة والشخصية·

لقد لعبت الجغرافيا دورًا، فلم يكن مناخ إنجلترا مثاليًا، فالرياح الدافئة التي يسببها تيار الخليج شمال الأطلنطي تواجه بشكل مستمر الرياح القطبية الشمالية، ويؤدي هذا الصراع (المواجهة) إلى تتابع نشوء الضباب وتتابع هطول المطر فوق أيرلندا واسكتلندا وإنجلترا مما يجعل التربة خصبة، والحدائق خضراء والأشجار ضخامًا رائعة، والشوارع مبتلة، ومن هنا كانت السخرية السخيفة التي مؤداها أن الشمس لا تهاجم بعنف الكومنولث البريطاني، لكنها أيضًا لا تشرق في إنجلترا أبدًا، وقد وقع نابليون في هذه المبالغة إذ قال ذات مرة لطبيبه البريطاني أرنوت Arnott:"ليس لديكم شمس في إنجلترا"، فصحَّح له معلوماته قائلا:"هذا صحيح·· لكن الشمس تشرق دافئة في إنجلترا في شهري يوليو وأغسطس"·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت