الفصل الأول
إذا كان الفن هو تنظيم المادة فإن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أروع الآيات الفنية في التاريخ. ذلك أنها قد استطاعت أن تؤلف بين أتباعها المؤمنين خلال تسعة عشرة قرنًا كلها مثقلة بالأزمات الشداد، وأن تسير وراءهم إلى أطراف العالم وتقوم على خدمتهم، وتكون عقولهم، وتشكل أخلاقهم، وتشجعهم على التكاثر، وتوثق عقود زواجهم، وتواسيهم في الملمات والأحزان، وتسمو بحياتهم الدنيوية القصيرة فتجعل منها مسرحية أبدية، وتستغل مواهبهم، وتتغلب على كل ما يقوم في وجهها من زيغ وثورة، وتعيد بناء كل ما يتحطم من سلطانها في صبر وأناة. ترى كيف نشأ هذا النظام الرائع الجليل؟
لقد قام هذا النظام على ما كان هناك من خواء روحي يعانيه الرجال والنساء الذين أنهكهم الفقر، وأضناهم الشقاق والنزاع، وأرهبتهم الطقوس الخفية التي لا يدركون كنهها، وتملكهم الخوف من الموت. وقد بعثت الكنيسة في أرواح الملايين من البشر إيمانًا وأملًا حببا إليهم الموت وجعلاه أمرًا مألوفًا لديهم. ولقد أصبح هذا الإيمان أعز شيء عليهم يموتون في سبيله ويقتلون غيرهم من أجله، وعلى صخرة الأمل هذه قامت الكنيسة. وكانت في بادئ أمرها بسيطة من المؤمنين تختار لها واحدًا أو أكثر من الكبراء أو القساوسة ليرشدها، وواحدًا أو أكثر من القراء، والسدنة. والشمامسة، ليساعدوا الكاهن. ولما كثر عدد العابدين، وتعقدت شئونهم، اختاروا لهم في كل مدينة قسًا سموه إبسكوبس Episcopos أي مشرفًا أو أسقفًا لينسق هذه الشؤون. ولما زاد عدد الأساقفة أصبحوا هم أيضًا في حاجة إلى من يشرف على أعمالهم وينسقها؛ ولهذا بدأنا نسمع