فهرس الكتاب

الصفحة 12586 من 15334

دعهم يفكروا أو يحكموا ويقولوا ويفعلوا ما يريدون ... لن أعبأ بهم كثيرًا ... بل إني اليوم لم أعد أعبأ كثيرًا بما يحدث في العالم. إن الأموات الذين أوشك أن ألحق بهم قريبًا، لا يعانون الآن شيئًا ولم يعودوا يزعجون أنفسهم. ومن ثم فأنا أضع نهاية لكل هذا. أنا الآن أشبه شئ بالعدم، وبعد قليل سأصبح لا شئ حقًا (43) .

هل وجد ثمة عهد أو ميثاق مثل هذا في تاريخ البشرية جمعاء؟ تصور الكاهن المنعزل مجردًا من كل عقيدة ومن كل أمل، وهو يعيش منسيًا لا ذكر له في قرية قد ترتعد فيها كل النفوس رعبًا ورهبًا، إلا نفسه هو، لمجرد الإطلاع على أفكاره الخفية. ولهذا لم يتحدث بمثل هذه الحرية إلا لمخطوطته. وهناك، ودون اكتراث ودون معرفة واسعة بطبيعة الإنسان، صب كل غيظه واستيائه في صراحة بالغة معادية للدين غاية العداء مما لم يعهده حتى عصره نفسه. وهنا كانت حملة فولتير ضد"المنبوذين"وكل مادية لامتري وكل الحاد دي هولباخ، وكل خيال ديدرو الجامع المدمر، بل شيوعية بابيف أيضًا. وأصدر فولتير"عهد"جان مسلييه بعد تردد، ونشره دي هولباخ فرحًا مغتبطًا، ومن ثم أختمر في ذهن فرنسا وأسهم في التمهيد لسقوط النظام القديم. ونشوة الابتهاج بالثورة الفرنسية.

إن جوليان أجوفروي دي لامتري رد على هذا السؤال بالإيجاب. ولد في سان مالو 1709 لتاجر ميسور. وتلقى تعليمًا واسعًا وأعتزم أن يكون شاعرًا. وحبذ والده الوظيفة الكنسية باعتبارها أقل خطرًا، فأرسله إلى إحدى الكليات في بليسيس حيث شب الولد جانسنيا متحمسًا. ولكن طبيبًا صديقًا للوالد رأى (هكذا يقول فردريك الأكبر) أن طبيبًا عاديًا يمكن أن يحصل من علاج المرضى على أكثر مما يحصل عليه القسيس الفاضل من عمليات الغفران (44) . ومن ثم حول جوليان اهتمامه إلى التشريح والطب وحصل على درجة في الطب من ريمس، وتتلمذ على بورهاف في ليدن، وكتب عدة أبحاث طبية، وعمل جراحًا في الجيش الفرنسي، ورأى واحدًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت