إن على التلميذ أن يدخل المدرسة"كأنه يدخل هيكلًا مقدسًا"ولكن دراسته فيها يجب أن تعده ليكون مواطنًا كريمًا نافعًا، وأن تغطي هذه الدراسات الحياة بأسرها مع مراعاة اتصالها بعضها ببعض كما تؤدي وظائفها في الحياة. ويجب أن تدرس الطبيعة كما تدرس الكتب، فالأشياء تعلم الطالب أكثر مما تعلمه النظريات، فليلاحظ إذن العروق والأعصاب والعظام وسائر أعضاء الجسم في تشريحها وفي أداء وظائفها. وليسأل المزارعين والصيادين والرعاة والبستانيين، وليفد من خبراتهم، فإن هذه المعلومات التي يلتقطها ستكون أنفع له من"الثرثرة السكولاستية التي أفسدت كل فروع المعرفة باسم المنطق" (20) . وينبغي أن تظل الدراسات القديمة المنقاة خصيصًا للشباب جزاءًا حيويًا من المنهج، ولكن يجب أن يدرس أيضًا التاريخ الحديث والجغرافيا. كذلك يجب أن تدرس اللغات القومية كما تدرس اللاتينية، وكل هذه بالطريقة المباشرة المستعملة في الحياة اليومية.
لقد كان فيف متقدمًا جد على جيله، فلم يفطن إليه ذلك الجيل، وتركه يموت فقيرًا، وقد ظل كاثوليكيًا إلى النهاية.
كانت المهمة المميزة للجامعات والأكاديميات والعلماء الإنسانيين في عصر النهضة هي جمع تراث العالم القديم، عالم اليونان والرومان، وترجمته ونقله إلى جيل الشباب في أوربا الحديثة. وقد أنجزت هذه المهمة على وجه رائع، وكان الكشف عن وحي العالم القديم كاملًا.
بقي رجلان يجب أن يخلد ذكرهما كاهنين لهذا الوحي، وأول الرجلين هو جيوم بوديه، الذي بلغ الثانية والستين وهو يعطل النفس بأن يجعل باريس وارثة للدراسات الإنسانية الإيطالية، ثم رأى هذا الأمل يتحقق