الفصل الثاني
انتهز سيمون مكابي في عام 143 ق. م فرصة النزاع القائم بين البارثيين، والسلوقيين، والمصريين، والرومان، فانتزع استقلال بلاد اليهود من أيدي الملوك السلوقيين. واختارته جمعية وطنية قائدًا وكاهنًا أعلى للدولة اليهودية الثانية (142 ق. م- 70م) ، وجعلت ثاني المنصبين وراثيًا في أسرته الهسمونية، وصارت بلاد اليهود مرة أخرى دولة دينية تحكمها هذه الأسرة أسرة الكهنة- الملوك، ذلك أن من أخص خصائص المجتمعات السامية ارتباط السلطتين الروحية والزمنية في الأسرة وفي الدولة لأنها تأبى أن يكون لها سيد إلا الله وحده.
وأدرك الهسمونيون ضعف مملكتهم الصغيرة فقضوا جيلين كاملين يوسعون حدودها بالدبلوماسية تارة وبالقوة تارة أخرى، فلم يحل عام 78 ق. م حتى كانوا قد ضموا إليهم السامرة رإدون، ومؤاب، والجليل، وإدوميا، وما وراء نهر الأردن، وجدارا، وبلا، وجراسا، ورافيا (رفح) ، وغزّة، ووسعوا حدود فلسطين إلى ما كانت عليه في عهد سليمان. وفرض خلفاء هؤلاء المكابيين البواسل الذين قاتلوا دفاعًا عن حريتهم الدينية الدين اليهودي والختان على رعاياهم الجدد بحد السيف (5) . وفقد الهسمونيون في الوقت نفسه غيرتهم الدينية، واستسلموا شيئًا فشيئًا لما كان في العناصر التي ضموها إلى بلادهم من نزعة هلنستية رغم احتجاج الفريسيين [1] الشديد. غير أن الملكة شالوم اسكندرة
(1) شيعة يهودية تمتاز بتمسكها الشديد بالشرائع والأوامر الدينية؛ وقد تطور معنى هذا اللفظ في الزمن الحديث فصار يُطلق على من يستمسك في الدين بالشكل دون الجوهر أي المرائي. (المترجم)