الباب الحادي والعِشرون
الفصل الأوّل
إذا وازنا بين حال العلم في القرن الرابع وبين الخطوات الجريئة التي خطاها إلى الأمام في القرن الخامس، وبالانقلاب الثوري الذي حدث فيه في القرن الثالث، حكمنا من فورنا بأنه كان في هذا القرن الأوسط في حالة ركود، وأنه قنع في معظم الأحوال بتسجيل ما تجمع له في القرن السابق. فقد كتب أكسانوقراطيس Xenocrates تاريخًا للهندسة، وكتب ثاوفرسطوس تاريخًا للفلسفة الطبيعية، وكتب مينون Menon تاريخًا للطب، وأوديموس Eudemus تواريخ للحساب، والهندسة، والفلك (1) . وبدا لعلماء ذلك العصر أن المسائل الدينية والأخلاقية والسياسية أكثر أهمية وأولى بالدرس من مشاكل الطبيعة، فتحول الناس مع سقراط من دراسة العالم المادي دراسة موضوعية إلى البحث في أحوال النفس وشئون الدولة.
وكان أفلاطون يحب العلوم الرياضية فغمر فيها فلسفته إلى أعماق بعيدة، وجعلها شغل المجمع العلمي، وكاد في سراقوصة أن يهب لها ممالك بأسرها. لكن الحساب كان في نظره نظريات في الأعداد تتصف بالكثير من الغموض؛ ولم تكن الهندسة هي قياس الأرض، بل كانت تدريبًا عقليًا، خالصًا، وطريقًا يصل به العقل إلى الله. ويحدثنا بلوتارخ عن"غضب"أفلاطون من أودسكوس