كانت مرارة تلك الأشهر الأخيرة كاملة. فقد كانت المجر وبلجيكا تضطرمان بالثورة، والأتراك يتقدمون، وجيشه متمردًا، وشعبه من النمساويين الذين أحبوه يومًا ما انقلبوا عليه منتهكًا لحرمة تقاليدهم ومعتقداتهم المقدسة. وندد به القساوسة ملحدًا، وكرهه النبلاء لأنه حرر أقنانهم، وتصايح الفلاحون مطالبين بمزيد من الأرض، وكان فقراء المدن يتضورن جوعًا، ولعنت جميع الطبقات الضرائب والأسعار المرتفعة التي سببتها الحرب. وفي 30 يناير 1790 أغلى يوزف جميع الإصلاحات التي أمر بها منذ وفاة ماريا تريزا بعد أن ألقى السلاح مستسلمًا، ولم يبقَ منها إلا على إلغاء القنية.
ترى لم فشل؟ لقد قبل بملء الإيمان وصادق الثقة نظرية جماعة الفلاسفة القائلة بأن الملك الذي يتوافر له التعليم الجيد والنية الحسنة هو خير أداة للتنوير والإصلاح. وقد أوتي التعليم الجيد، أما النية الحسنة فقد شوهها حبه للسلطة، وأخيرًا غلبت لهفته على أن يكون فاتحًا حماسته لإجلاس الفلسفة على العرش. كان يفتقر إلى قدرة الفيلسوف على الشك، وكان من المسلمات لديه صواب وسائله كصواب غاياته. وقد حاةول إصلاح الكثير جدًا من الشرور في وقت واحد، وفي عجلة كبيرة، ولم يستطع الشعب أن يستوعب تعدد قراراته المربك. ولقد كان يأمر بأسرع مما يستطيع أن يقنع، وحاول أن يحقق في عشر سنين ما يحتاج تحقيقه إلى قرن من التعليم والتغيير الاقتصادي. والشعب أساسًا هو الذي خذله. فقد تعمقت جذوره وترسخت في امتيازاته وأهوائه، وفي تقاليده وكنائسه، إلى حد منعه من أن يعطيه التفهم والتأييد اللذين أصبح حكمه المطلق بدونهما عاجزًا لا حول له في مثل هذه الإصلاحات العسيرة .. وآثر أفراده كنائسهم وقساوستهم وعشورهم على ضرائبه وجواسيسه وحروبه. ولم يستطيعوا وضع ثقتهم في رجل يهزأ بأساطيرهم الحبيبة، ويضايق أساقفتهم، ويذل باباهم.
وطوال هذه السنوات المرهقة بعد 1765 كان بدنه متمردًا على إرادته.