فهرس الكتاب

الصفحة 3836 من 15334

الفصل الثاني

كان رئيس الوفد اليهودي إلى كليجولا هو الفيلسوف فيلو، وكان أخوه مدير تجارة الصدار اليهودية في الإسكندرية. ويصفه يوسيبوس Eysebius بأنه من أسرة عريقة من رجال الدين (13) . ولا نكاد نعرف شيئًا غير هذا عن حياته ولكن تقواه وكرم أخلاقه يظهران واضحين في المؤلفات الكثيرة التي وضعها في شرح الدين اليهودي للعالم اليوناني. وقد نشأ الرجل في جوديتي، فكان شديد الوفاء لشعبه، ولكنه افتتن بالفلسفة اليونانية، فجعل هدفه في الحياة أن يوفق بين الكتاب المقدّس وعادات اليهود من جهة، والآراء اليونانية وبخاصة فلسفة أفلاطون"أقدس القدّيسين"من جهة أخرى. ولكي يصل إلى غرضه هذا لجأ إلى المبدأ القائل إن جميع الحادثات، والأخلاق، والعقائد، والشرائع المنصوص عليها في العهد القديم ذات معنيين أحدهما مجازي والآخر حرفي، وأنها ترمز إلى حقائق أخلاقية أو فلسفة؛ وكان في وسعه بهذه الطريقة أن يبرهن على صحة أي شيء يريد البرهنة على صحّته. وكان يكتب باللغة العبرية بأسلوب لا بأس به. ولكن أسلوبه في اليونانية بلغ من الجودة حدًا جعل المعجبين به يقولون إن"أفلاطون كان يكتب كما يكتب فيلو" (14) .

وكان فيلو فيلسوفًا أكثر مما كان رجل دين، وكان صوفيًا استبقت تقواه الشديدة تقوى بلوتينس وعقلية العصور الوسطى. وكان الله في كتابات فيلو هو الكائن الجوهري في العالم، وهو كائن غير مجسّد، أزلي سرمدي، يجلّ عن الوصف؛ في وسع العقل أن يدرك وجوده، ولكنه لا يستطيع أن يخلع عليه صفة ما، لأن كل صفة تعني التحديد. والذين يتصوّرونه في صورة بشرية إنما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت