الفصل الرابع
كانت السفن والطرق التي تحمل عليها البضائع، والقناطر التي تربط الطرق بعضها ببعض، والموانئ والأحواض التي تستقبل السفن، والقنوات المبنية التي يجري فيها الماء النقي إلى روما، والمصارف التي تنصرف فيها مياه المستنقعات الريفية وأقذار المدن، كانت هذه كلها من عمل المهندسين الرومان واليونان والسوريين يساعدهم آلاف من العمال الأحرار وجنود الفيالق والعبيد. وكانوا يرفعون الأحمال أو الحجارة الثقيلة، أو يجرونها بوساطة البكرات أو القوائم الخشبية العمودية تديرها الروافع التي يدفعها فيها الحيوانات أو الآدميون (35) . وقد أقاموا على شاطئ التيبر الغدار جدرانًا ذات درجات ثلاث حتى لا ينكشف الطين في قاع النهر إذا انخفض ماؤه [1] . وقد أنشئوا ميناءً مزدوجًا عند أستيا لكلوديوس ونيرون وتراجان، وافتتحوا موانئ أصغر منها في مرسيليا وبتيولي، وميسينم، وقرطاجنة وبرنديزيوم ورافنا؛ وجددوا أعظم موانئ الإمبراطورية كلها في الإسكندرية. وقد جففوا البحيرة الفوسية، واستصلحوا أرضها للزراعة وذلك بأن شقوا لها نفقًا يخترق جبلًا من الصخر الصلب، وأنشأ تحت الأرض في روما مصارف من الأسمنت المتحجر للآجر والقرميد قاومت البلي مئات السنين، وجففوا مناقع كمبانيا حتى أصبحت صالحة للسكنى، ويدل ما عثر عليه فيها من آثار على أن قصورًا فخمة كثيرة أقيمت فيها [2] ، وقاموا بتنفيذ
(1) أنشأت الحكومة الإيطالية في عام 1870 جسورًا بمحاذاة شاطئ النهر تجعل مجراه متساوي العرض، وقد أدى ذلك إلى نتائج غير مستحبة في فصل الجفاف.
(2) والظاهر أن الفلشيين قد جففوا مناقع بنتين قبل عام 600ق. م، غير أن الرومان الذين فتحوا بلادهم قد أهملوا المصارف فعاد الإقليم مناقع وانتشرت فيه الملاريا. ووضع قيصر مشروعًا لتجفيفه وواصل أغسطس ونيرون العمل في هذا التجفيف ولكن المشروع لم يتم إلا في عام 1931.