الفصل الثاني
لم يكن في الحياة الرومانية ـ ولعله لا يصح أن يكون فيها إذا صلحت الأحوال الاقتصادية ـ فرق جغرافي بين الزراعة والصناعة مثل ملا بينهما من فرق في هذه الأيام. ذلك ان الموطن الجغرافي القديم ـ سواء أكان كوخًا أم بيتًا صغيرًا ذا حديقة أمبيتًا كبيرًا في ضيعة ـ كان مصنعًا يدويًا بالمعنى الحرفي لهذا اللفظ بعمل فيه الرجال بأيديهم في صناعات هامة متعددة لا غنى لهم عنها، بينا تملاْ النساء البيت وما يجاوره بما لا يحصى من منتجات الفنون والصناعات. فهناك تستحيل الغابات ملاجئ ويتخذ منها الوقود والأثاث، وتذبح الماشية وينتفع بجلودها ولحومها، وتطحن الحبوب وتخبز، وتعصر الزيوت والخمور، ويعد الطعام ويحفظ، وينظف الصوف والتيل وينسجان، ويحرق الطين في بعض الأحيان وتصنع منه الآنية والآجر والقرميد، وتطرق المعادن وتصنع منها الأدوات. والحياة في الريف مليئة بالعمل المهذب المثقف المختلف الأنواع الذي لا يستمتع به إلا القليلون منه في عصرنا الحاضر عصر الحركة الواسعة والتخصص الضيق. ولم يكن تعدد الصناعات في المنزل الواحد دليلًا على أن الحال الاقتصادية في الريف فقيرة وبدائية، فقد كانت أكثر البيوت ثراءً أكثرها اعتمادًا على نفسها واكتفاء بمنتجاتها، وكان أهلها يفخرون بأنهم ينتجون معظم ما هم في حاجة إليه. وكانت الأسرة في تلك الأيام منظمة من وحدات اقتصادية متعاونة متحدة الجهود في الأعمال الزراعية والصناعية التي تقوم بها في منزلها.
ولما أن تعهد صانع ما بالقيام بعمل لعدة أسر، وأقام لنفسه حانوتًا في موضع يسهل على هذه الأسر جميعها أن تصل إليه، لما فعل هذا أخذ اقتصاد القرية