وحتى سنة 1810 لم يكن نابليون بمستطيع أن يتسامح مع نفسه لعدم صدقه في ادعائه الإيمان بالهدف الثاني للثورة الفرنسية وأعني به المساواة، لكنه آمن بمبدأ مساواة الجميع أمام القانون وعمل على نشر هذا المبدأ· فهو لم يفرض مساواة مستحيلة تجعل كل قدرات الناس واستحقاقاتهم على نحو سواء، وإنما أسس نسقًا من المساواة قوامه إتاحة الفرص - على نحو سواء - لكل الموهوبين وذوي القدرات بصرف النظر عن مكان مولدهم ليطوروا أنفسهم في مجتمع يُقدِّم للجميع دون مفاضلة فرص التعليم، والفرص الاقتصادية والحقوق السياسية، وربما كان فتحه المجال لكل ذي موهبة ومقدرة هو أكثر عطاياه لفرنسا بقاءً· وكان نابليون يقضي على الفساد في الحياة العامة · وهذا وحده يكفي لتخليد ذكراه· لقد أعطى المثل - بكل معنى الكلمة - لرجل يكرس نفسه للإدارة إذا لم تدعُه الحربُ لميادينها· لقد أعاد صياغة فرنسا·
لماذا فشل إذن؟ ذلك لأن ما كان في حوزته فاق إمكاناته (استطاعته) ، وخياله سيطر على طموحه، وطموحه تحكم في بدنه ونفسه وعقله وشخصيته· لقد كان عليه أن يعرف أن القوى المناوئة له لم تكن لترضى أبدًا بترك فرنسا تحكم نصف أوروبا· لقد نجح - بشكل يمكن تحديده· في تخليص بلاد الراين الألمانية من إقطاع القرن التاسع عشر لكنه لم يكن بمستطيع - لا هو ولا أي رجل في عصره - أن يُدمج في فيدرالية دائمة منطقة طال عليها العهد وهي مقسمة إلى دول، كل دولة منها لها تراثها الحريصة عليه، ولها لهجتها الخاصة وعاداتها وعقيدتها وحكوماتها· ويكفي أن نذكر هذه الممالك المختلفة من الراين إلى فيستولا Vistula ومن بروكسل لنابلي لنحس بحجم المشكلة:
ممالك أو إمارات مثل هولندا، وهانوفر، ووستفاليا Westphalia والمدن الهانسياتية Hanseatic، وبادن Baden وبافاريا، وفيرتمبرج Wurttemberg وإيليريا Illyria والبندقية (فينيسيا) ولومبارديا Lombardy والولايات الباباوية والصقليتين - من أين له برجال أقوياء بالقدر الذي يكفي لحكم هذه المناطق، وفرض الضرائب على أهلها، وأخيرًا لتجنيد أبنائهم لشن حروب ضد أمم أقرب إليهم من فرنسا؟