لقد أحبّ أن يُشير لنفسه كعضو في المجمع العلمي الفرنسي وقد عبّر ذات مرّة للابلاس Laplace عن أسفه لأن الظروف قد أبعدته كثيرًا عن مجال العلم فقد كان يوّد أن يشتغل به ليكون عالما ففي تلك اللحظة كان نابليون يقدّر الرجل الذي يضيف للفهم البشري تقديرًا يفوق تقديره لمن يستحوذ على مزيد من السلطة وعلى أية حال، يمكننا أن نسامحه لاحتقاره أيديولوجية المعهد العلمي الفرنسي الذي أساء فهم الأفكار فظنّها هي نفسها الحقائق الموجودة على أرض الواقع، وراح (أعضاؤه) يشرحون أوضاع العالم (أو الكون) واقترحوا أن يعرضوا عليه كيفية حكم فرنسا·
لقد كان عقل نابليون يُعاني من عيوب الخيال الرومانسي، لكنه أيضًا كان يتعامل مع حقائق حية من لحم ودم من خلال احتكاكه اليومي بمثيرات واقعية· لقد كان نشاطه العقلي الدائم على أعلى مستوى يمكن أن يكون عليه رجل الدولة وقد وظّف هذا النشاط العقلي لتحقيق أهدافه بشكل دائم فأصبح جزءًا لأغنى عنه في أي عمل يقوم به·
لقد كان نابليون - في المقام الأول - حاد الحواس، بل لقد كان يعاني من هذه الحدة، فقد كانت أُذناه تلتقط كل شاردة وواردة أو بتعبير آخر كانتا تسمعان حتى الأصوات الخافتة، وكان أنفه حسّاسًا يجيد الشّم (كان شمّامًا) وكانت عيناه تخترقان ما هو ظاهر لتتغلغل للأعماق، وتستبعد ما هو عارض لتستجلي المعنى واضحًا لا شِيَةً فيه· وكان محبًا للاستطلاع وجّه آلاف الأسئلة، وقرأ مئات الكتب ودرس الخرائط والتواريخ وزار المصانع والمزارع، واندهش لاكاس Las Cases لاتساع دائرة اهتماماته واتساع مجالات معرفته عن البلدان والقرون·