وكيف يصدق الحواس التي غالبًا ما تخدعنا وتضللناـ أو الصور العقلية التي تكون مشرقة عندما تكون"زٍائفة"في النوم، قدر إشراقها عندما تكون"حقيقية"في اليقظة؟.
وهربًا من سجن النفس"الأنانة"يلجأ ديكارت إلى الله الذي لا يمكن بالقطع أن يجعل من كل حواسنا مجرد خدعة. ولكن متى يدخل الله في هذا المنهج الذي بدأ في جرأة بالشك في كل المعتقدات والمبادئ التي تلقاها الإنسان؟ إن ديكارت لا يستطيع إثبات وجود الله من شواهد بديع صنعه في العالم الخارجي، ولأنه لم يوضح بعد وجود هذا العالم الخارجي. ولذلك أخرج ديكارت"الله"من"النفس المدركة"، تمامًا مثل فعل آنسلم في"البرهان الوجودي"قبل ذلك بستة قرون. وهو يقول: إن لدي تصورًا لكائن كامل مثالي قدير عليم، ضروري، خالد ولكن هذا الذي يوجد أقرب إلى الكمال من هذا الذي لم يوجد، وعلى ذلك فإن الكائن الكامل المثالي يجب أن يكون الوجود من بين صفاته. ومن الذي كان يستطيع أن يبث فيَّ هذه الفكرة إلا الله سبحانه وتعالى؟"ومن المستحيل أن أحمل في نفسي فكرة الله، إذا لم يكن الله موجودًا حقًا" (91) . وإذا كان الله يريد أن يخدعنا فلن يكون كاملًا ومن ثم فإنه لا يضللنا عندما تكون لدينا أفكار واضحة جلية، ولا حين يتيح لحواسنا أن تكشف لنا عن عالم خارجي."لست أدري كيف يمكن الدفاع"عنه سبحانه"أو تبرئته من تهمة الخداع والتضليل إذا كانت هذه الأفكار ناتجة عن أسباب غير متعلقة بأشياء جسدية مادية. ومن ثم يجب أن نقر بأن الأشياء الجسدية المادية موجودة (92) "، ومن ثم تنسد بشكل رائع الهوة بين العقل والمادة، بين الذرات والموضوع ويصبح ديكارت، بعون من الله، واقعيًا. والعلم نفسه-إيماننا الراسخ يكون منطقي خاضع لنظام مطيع للقانون، يمكن التعرف عليه وإحصاء ما فيه-يصبح أمرًا ممكنًا، لا لشيء إلا لأن الله موجود، وحاشا الله أن يكذب.
وإنا إذ نتتبع ديكارت لنشهد"عصر العقل"في طفولته يتراجع فزعًا من مغامرات الفكر، محاولًا الولوج ثانية إلى حظيرة الإيمان الدافئة. ورغبة