فهرس الكتاب

الصفحة 1049 من 15334

ما تحولت إلى طراز يمثل النزعة الإسلامية تمثيلًا يبلغ من الدقة حدًا يثير فيك العجب أن ترى"تاج محل"في الهند، ولا تراه في فارس أو شمالي إفريقيا أو إسبانيا.

والبناء الذي يمثل مرحلة التطور هو"منار قطب" [1] ؛ وهو جزء من مسجد بدئ في بنائه في دلهي القديمة بأمر من"قطب الدين أيبك"تخليدًا لذكرى انتصارات هذا السلطان السفاك للدماء على الهنود، ولقد انتزعت أجزاء سبعة وعشرين معبدًا هنديًا لتتخذ مادة لبناء هذا المسجد ومنارته (120) ؛ وها قد صمدت المنارة العظيمة لعوامل الجو سبعة قرون - ويبلغ ارتفاعها مائتين وخمسين قدمًا، وهي مبنية من الحجر الرملي الأحمر الجميل، والنسب بين أجزائها هي غاية الكمال، ويتوجها المرمر الأبيض في طبقاتها العليا - هاهي ذي بعد سبعة قرون من فعل عوامل الجو، لا تزال آية من آيات الهند في دقة الصناعة وروعة الفن؛ وعلى وجه الجملة كان سلاطين دلهي في شغل بالقتل بحيث لم يبق لهم من وقتهم فراغ طويل ينفقونه في فن العمارة؛ وأكثر الأبنية التي خلفوها لنا مقابر أنشأوها لأنفسهم في حياتهم تذكرهم بأنهم - رغم سلطانهم - ذائقوا الموت كسائر الناس؛ وخير مثال لهذه المقابر، مقبرة"شرشاه"في"ساسيرام"من بلدان"بهِار" (121) فبناؤها شامخ صلب متين، وهو يمثل آخر مراحل الفن الإسلامي القوي قبل أن تدب فيه الطراوة حين أصبحت العمارة حليًّا من الحجر على أيدي ملوك المغول.

وجاء"أكبر"بما له من قدرة على الحياد في مشاعره بحيث يختار من كل ثقافة ما يراه صالحًا، فشج الميل السائد نحو دمج الطرز الإسلامية والهندوسية، وقد تضافرت الأساليب الهندية والفارسية في الآيات الفنية التي شيدها له فنانوه، تضافرًا جعل بينها اتساقًا رائعًا، يرمز إلى الامتزاج الضعيف بين عقائد الهندوس وعقائد المسلمين، كما أراد لها"أكبر"أن تمتزج، في

(1) وهي مئذنة مأخوذة من الكلمة العربية منارة، أي مصباح أو منار السفن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت